NUMiDIA نوميديا
NUMiDIA نوميديا

منتدى ثقافي فكري حواري

.... لقد تمّ حذف مادّة مهمّة من ساحة : أضف كلمة أمازيغية فهل يوجد من بين اعضاء المنتدى من يحتفظ بها
--------- Tfaska n'wen d'tameggast عيد سعيد
أهلا === azul كيف حالك ?=== ?manzakin ماذا تفعل ? === ? matta hetteggd أين تذهب ? === ? mani tild أين أنت ? === ? mani hellid ما بك ؟ === ?matta chyughn عفوا === asorf الى اللقاء === ar timlilit من فضلك === igh as tufit سنة سعيدة === asggas ighodan شكرا === tanmmirt صباح الخير === tifawin ليلة سعيدة === timnsiwin إلى اللقاء === ar tufat تشرفنا بمعرفتك === s waddur tusna nk جيد === iyfoulki مرحبا بكم === ansof iswn إلى وقت آخر === ar tiklit yadn

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

إمازيغن أو إيمازيغن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 إمازيغن أو إيمازيغن في السبت أكتوبر 09, 2010 3:08 pm

kutamien


أقلدون A Gildun
إمازيغن


إمازيغن، في اللغة “ البربرية “، جمع، مفرده: أمازيغ. وهو الاسم الذي يسمى به “البربر “ أنفسهم. مؤنث أمازيغ هو تمازيغْت، يطلق على المرأة وعلى اللغة. عند قبائل التوارگ المنتشرة في قلب الصحراء الكبرى، يسكن حرف الزاي في “ أمازيغ“ ويقلب إما هاء، وإما شيناً أوجيماً وبحيث تنطق اللفظة “ أماهغ“ عند التوارگ الجزائريين، و“أماشع“ عند التوارگ المالّيين، و“أماجغ“ عند التوارگ النيجيريين (Encycl. Berb. 4 : 563).

‏ Iـ كلمة أمازيغ، من حيث صيغتها اللغوية، اسم فاعل ؛ وهي صيغة ناددرة لم يوضع على وزنها إلا عدد قليل من أسماء الفاعل. وهي مشتقة، حسب ما هو كتوفر من القرائن، من الفعل “ يوزغ“ ـ المنطوق “يوهغ“ عند التوارگـ ـ الذي معناه غَزَا، أوأغارَ. ويرى بعض اللغويين أن “ أمازيغ“ مشتق من فعل آخر اعتبروه مُمَاتاً في اللهجات كلها، قد يكون هو الفعل “إزيغ“، أو الفعل “ يوزاغ“ (Encycl. Berb., 4 : 566) وهو افتراض انبنى على الخلط بين ثلاثة أفعال أخرى، هي “ياغ“ بمعنى أصاب أواعترى ؛ و“ياغ“ أو“يوغ“ بمعنى أخد، أونال، أوسقط، أوا شتعل، أوأضاء ؛ و“يووْغ“ بمعنى رعى في معنى انتجع. وعلى أي حال “ أمازيغ“ اسم مشروب معنى النبل والشهامة والإباء، سواء في المغرب أو عند التوارگ. 673):2 (De Foucauld قد يكون ذلك ناتجا من مجرد الاعتزاز بالنفس، من قبل إمازيغن، لأن الشعوب تتخذ عادة أنسابها عنوانا للعزة والمناعة ؛ وهو ما نعتقده.

تسمية “البربر“ أنفسهم ب “إمازيغن“ ضاربة في القدم، وبها عرفهم أقدم المؤرخين ؛ وعرفهم بها اقرب جيرانهم إليهم، وهم المصريون القدماء، مع تحريف لاسمهم في النطق، ثم في الكتابة، له مبرراته اللغوية. كان المصريون القماء، في عهد راعامسيس“ الثالث، يسمونهم “ماشوشْْ“، لأن اللغة المصرية في ذلك الوقت كانت تقلب الزاي شيناً، والغين شينا أيضا، بعد قلبه خاءً، وتفصل في الكتابة بالواو(واوفارقة) بين الحرفين المتجانسين (Grammaire, 27, 28 , 29). قد ذكر المؤرخ اليوناني هيكاتايوس Hekataios إمازيغن في القرن السادس قبل الميلاد باسم “مازييس Mazyes “، وذكرهم هيروضوتوس Herodotos في القرن الخامس ق.م. باسم “ ماكسييس Maccyes “. أما المؤرخون اللاتينيون فقد أوردوا الاسم نفسه محرفا إلى “ مازاكس Mazasc أوMazaces أوإلى “مازيكس Mazikes “ , وهي أسماء جموع (Collectifs) بمعنى واحد أطلقوها على “ الشعب النوميدي“ (Dictionnaire latin ; 956) ويظهر أن أول قبيلة أمازيغية كبرى احتگت بقدماء المصريين احتكاك حرب (1227 ق.م) كانت تسمى “ ليبو“ وكانت مستوطنة لأراضي ليبيا الحالية (Berbères، عن هيروضوتوس، 11). وقد اختلط الأمر على المؤرخين الأول. ومنهم هيروضوتس، فصاروا يسمون إمازيغن تارة باسمهم هذا، محرفا قليلا أو أكثر، وتارة باسم “ ليبيا Libyè “ الدال في شعر هوميروس Homeros على الأراضي الممتدة من تخوم مصر القديمة شرقا، إلى المحيط غربا (Dictionnaire grec, 1190). ولما أنشئت المستعمرات التجارية الفينيقية على شواطئ افريقية الشمالية وازدهرت ولفتت أنظار اليونان والرومان إلى الساحل الجنوبي للبحر المتوسط اخذ الكتاب الإغريقي واللاتينيون يسمون اللأمازيغيين عامة ب “ الأفارقة “، ويصنفونهم إلى ليبيين ونوميديين وموريين، انطلاقا من الشرق وانتهاء بالغرب. وكان منهم من يخلط بين هذه الاسماء Scylax قي (La guerre d’Afrique, 4) فصاروا يسجلون أسماء المجموعات القبلية الأمازيغية بشئ من التفصيل يصعب، بل يتعذر اعتماده في ترتيب تلك المجموعات من حيث احجامها ولا من حيث استمرارية وجودها في الزمان حاملة اسمها الأول، ولا من حيث انتشارها في المكان ؛ وذلك نظرا لما طرأ من تحريف في النطق والتسجيل، من جهة أولى، ولكون تلك القبائل تتألف في معظمها من عشائر البدو الرحل، من جهة ثانية، ثم نظرا لاعتبار أمر لا بد من اعتباره هو أن من المحقق في ضوء ما هو ملحوظ إلى يومنا هذا، أن المترجمين للقبائل عن سماع عبر الزمان أو عبر المكان، كثيرا ما يخلطون بين الجزء والكل، من جهة ثالثة. وعلى سبيل الإشارة، لا الترجيح، نستعرض هنا أسماء القبائل الأمازيغية القديمة كما استقرأها الأستاذ ديزانج Desanges في تعليقه على بلينيوس الأكبر (Histoire Naturelle, V) مجتهدا في رسم خريطة لمواطن كل قبيلة:

1ـ حسب ديزانج كانت قبيلتا “ ماسايسيلي، أوماسايسولي Masaesyli , Masaisuli “ و“بانيورايي Baniurae “ تستوطنان شمال المغرب الأقصى بين المتوسط شمالا والمحيط غربا ونهر سبو جنوبا. وكانت قبيلة “أوتولولي Autololes “ منتشرة في السهول الاطلنتية بين بورگراگ وتانسيفت الحاليين وكانت قبيلة كاناريي Canarii “ نازلة بناحية فگيگ الحالية
2ـ وفي المغرب الوسط كانت القبائل النوميدية Numidia مستقرة أوشبه مستقرة في شرقي البلاد، بينما كانت قبائل “گايتولي Gaetulia “ تنتجع في الانحاء العليا Les Hauts Plateaux وقبائل “أيثيوبيا Aethiobia “ تشغل المنطقة الممتدة جنوب الأطلس الصحراوي.

3ـ وفي تونس الحالية كانت القبائل النوميدية نفسها منتشرة في غربي البلاد من الساحل المتوسطي إلى ناحية القيروان الحالية، ممثلة أحسن تمثيل في القبيلة “ماسيلي Massili , أوMassyli“ أو“ماسولي Massuli “، المنطوق اسمها هكذا بسين مضعفة باعتبار النطق الفرنسي، والمنطوق اسمها حسب ما نرجح “مازولي “ أو“ مازيلي “، بالزاي لأن السين المضعفة بمثابة الزاي عند اللاتينيين قبل تبنيهم Y وZ اليونانيين , (Traité de grammaire,.33) أما أراضي زاوگيتانا أوزاوغيتانا Zeugitana “ و“بيزاكينا أوبيزاقينا Byzacena “ فكانت خاضعة للنفوذ القرطاجي، قبل الاحتلال الروماني لها.

4 ـ وفي ليبيا نجد، حسب ديزاج قبيلة فزانيي Phazanii من الجهة الجنوبية الغربية للجبال المعروفة الآن بجبل نفوسة ؛ ثم نجد بالتتابع على مقربة من الساحل المتوسطي، وانطلاقا من الغرب تجاه الشرق “ ماكايي أوماقايي، أوماغايي Macae “ فقبيلة “ناساموني Nasamones “ فقبيلة “ مارماريداي Marmaridae “ فقبيلة “ ماريوتاي Mareotae “، وهي الأخيرة من جهة الشرق تمتد مواطنها إلى بحيرة قرب دلتا النيل كانت تسمى باسمها. وفي عرض الصحراء الليبية، حيال الخليج من جانبه الغربي، كانت توجد مواطن قبائل “ گارامانتي، أوغارامانتي، أوجرامانتي Garamantes “.

من المعلوم أن المغرب الأقصى مع الجزء الأكبر من المغرب الأوسط كان يعرف عند اليونان باسم “ماوروسيا Maurusia “؛ هم الذين سمّوا هذه المنطقة بهذا الاسم لأول مرة، فأخذه عنهم الرومان وقالوا “ ماوريتانيا Mauritania “ وهنا يجب لفت النظر إلى أن الاسم اليوناني Maurusia قريب من حيث مادته اللغوية من الفعل الاغريقي “ ماورسوMaurso “ الذي معناه أظلم“. فهل معنى ذلك أن اليونان كانوا يقصدون بـ “ ماوروسيا Maurusia “ ارض الظلمات، لأن الشمس تغرب فيها بالنسبة إليهم ؟ وهل لذلك علاقة بما كان العرب يسمونه “ بحر الظلمات “؟ هذان تساؤلان يستحقان أن يبحث عن جوانب لهما. أما الجزء الشرقي من المغرب الأوسط وما يليه من غربي تونس الحالية فكان يسمى “ نوميديا Numidia “. وكانت الأراضي المحادية للشاطئ المتوسط شرقا وشمالا تسمى “ أفريقيا Africa “. فيما يهم الاناسي، و“افريقانوس Africanus “، أو“ أفريقوس Africus “، في الشعر خاصة، فيما يهم الحيوانات والأشياء (Dictionnaire français-latin, 59). وبقر ما يمكن الفصل بأن اسمي “ ماوريتانيا Mauritania، أوماوروسيا Maurusia “ و“ نوميديا Numidia “ليسا أمازيغيين، بقدرما يمكن ترجيح أن هذه الألفاظ الثلاثة “ أفر Afer “ و“ أفري Afri “ و“ أفريقوس، أوأفريغوس، أوأفريكوس Africus “ تنتمي من حيث صيغها إلى الحقل اللغوي الأمازيغي، وحتى من حيث مدلولاتها. لكن لا سبيل إلى الجزم في الموضوع، لأن اللغة اللاتينية كانت تلحق بالأسماء زوائد إعرابية متغيرة، تظهر حينا وتختفي حينا، من جهة، وأن حروف الهجاء في نظام الكتابة اللاتينية تطور عددها مع الزمن، فتغيرت رمزية بعضها الفونولوجية Traité de grammaire, 33…). ولهذا السبب، وللأسباب الأخرى المذكورة آنفا، يكاد يتعذر على المؤرخ، حاليا، أن يقارن بين أسماء القبائل الأمازيغية التي وردت في المؤلفات اليونانية واللاتينية القديمة، وبين أسماء القبائل التي عددها ابن خلدون في عصره ؛ إلا أن اسم قبيلة “ لواتا “ الشهيرة اورده بعض كتاب الاغريق واضحا لا غبار عليه: “ لواتا، أولواتاه Louâtah “: كما ذكروا اسم “ إفوراقس، أوإفوراغس، أوإنوغاس أوإفورن Ifuraces “ الذي يمكن أن يشخص في “ إفوغاس “ التوارگ، أوفي “يفرن“ (Les Berbères, Fournel, 98…103). ويجوز أن نتساءل: هل من علاقة بين كاناريي “ Canari “ والجزر الخالدات ؟ أوبين “أوتولولي Autololes “و“ والال، ايت والال “؟ وبين “ گايتوليا Gaetulea “وگودالا “؟ وبين “ مازيلي، مازولي Massyli, Massuli, Massili “ ومزالا، ايت مزالا إمزيلن “؟ وبين “زاوگيتانا، زاوغيتانا Zeugitana “ و“زواغا، ئزگاغن “؟ وهل لاسم “ فازانيي Phazanii “ صلة بنفوسة، أوعلى الارجح بالفزًّان الحالية، التي عرفت عند التوارگ باسم “تارگا “؟،(Dictionnaire. Touareg, IV, 1588) أما “ بانيورايي Baniurae “، وقد اقترح باحث مغربي أن نشخصها في “ بني واراين “ ؛ إلا أن ذلك مستبعد لأن الاسم الأمازيغي لهذه القبيلة هوايت واراين “، وفي العهد الإسلامي ترجمت “أيت “ إلى “بني “.

‏ II ـ سبب تسمية إمازيغن بـ “ البربر “: كانت الشعوب قديما قليلة التواصل بينها، وكانت تعتبر أن من لا يفصح عما يريد، في لغتها هي، لا يمكن أن ينعت إلا بالعجمة، أي بالخرس والبكامة. ولذا كان للعرب عجمهم، ولليونان عجمهم، هم “ البارباري Barbari “. وكان للأمازيغيين عجمهم أيضا، هم “ إگناون“ ؛ وقد لزمت هذه التسمية بعض شعوب إفريقيا الغربية، فيما تفرع عنها من أسماء البلدان، كغينيا وغانا، اللتين كان ينسب إليهما في المغرب بـ “گناوي ؛ عبد گناوي “. والغين في غانا وفي غينيا مقلوبة عن الكاف المعقودة. ولا تزال فئة من سكان المغرب الذين هم من أصل زنجي يسمون “ گناوا “. أما اللفظة الأمازيغية الأصلية فهي “أگناو“ التي تجمع على “إگناون“ ؛ ومعناها الأعجم، الأبكم، الأخرس… كان اليونان إذن يطلقون اسم Barbari على غيرهم من الشعوب، بدءاَ باللاتينيين، ولما أخذه عنهم الرومان صاروا يسمون به كل شعب خارج عن المجال الحضاري اليوناني اللاتيني (Dctionnaire latin,.207) فمن المحقق إذن أن الأمازيغيين كانوا “بارباري Barbari “ في نظر الرومان، وكانوا ينعتون بذلك النعت، لا سيما أنهم قاوموا روما مقاومة شديدة، حربيا (Rom et Les Berbères)، وثقافيا (La Résistance Africaine)، ولا سيما أن جل قبائلهم ظلت خارج المناطق الشمالية الخاضعة للنفوذ الروماني. فلزمهم طيلة عهد الرومان ؛ وكان من الطبيعي أن يلزمهم طيلة عهد السيطرة البيزانتية على مدن الساحل المتوسطي الجنوبي، بما أن “ الروم “ أي البيزانتيين من ورثة الإمبراطورية الرومانية. وعند الفتح الإسلامي أخذ العرب عن “الروم “ كلمة “بارباري Barbari “ وجعلوها “بربر“. ولقد ظل الإفرنج، أي الاروبيون، يسمون افريقية الشمالية “ بارباريا، Barbaria , Barbarie “ ؛ أوالدول الباربارية Etats Barbaresques إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي (Dictionnaire Robert) ؛ ولما احتكوا بأهالي المغرب والجزائر الناطقين بالعربية العامية سمعوا منهم اسم “لبرابر “ منطوقا براءين مرققين ونقلوه إلى لغاتهم في شكل Berbers أوBerbères.

وما سوى هذا من التفسيرات التي ذهب إليها بعض المؤرخين العرب متكلف ليس له ما يثبته بالاستدلال والمنطق. إن كل ما روي من الأشعار العربية في موضوع نسب “ البربر“ وإلحاقهم بقبائل العرب، من مضرية وقحطانية، لم يكن مبنيا على معرفة مضبوطة ؛ وإنما كان صادرا عن رغبات سياسية كانت تراود نفوس العرب و“البربر“ معا.

وعلى أي حال لقد تجاهل الأمازيغيون اسم “البربر“، في لغتهم، طوال العصور، واحتفظوا باسمهم الأصلي “إمازيغن“. ولم يتقبل منهم اسم “شلوح“ الذي سموا به في المغرب ـ وربما لأن بعض قبائلهم كانت تقطع الطرقات على المسافرين ـ إلا سكان غربي الأطلس الكبير وسوس ؛ يسمون أنفسهم “إشلحيين“، مع الأفراد على “أشلحي“؛ لكن لوحظ عندهم في العقدين الاخيرين أنهم يفضلون اسم “إمازيغن“. مما يجب ذكره أن لفظة “أرومي“، أي الرومي أوالإفرنجي في اللغة الأمازيغية محملة في أصل مدلولها بمعنى القساوة وانعدام الرأفة، توازي في ذلك كلمة “بارباري Barbari “ الرومية ؛ ولهذا التوازي امتداد فيما تسمى به ثمرة الصبار، الشائكة القشرة، والمعروفة عند المغاربة بـ “كرموص النصارى “ أي تين الإفرنج “، وعند الفرنسيين بـ “Figue de Barbarie “ أي تين بلاد البربر.

‏ III ـ أصل إمازيغن: كتب الكثير في هذا الباب، وملخص ما كتب أن المؤرخين العرب كادوا يجزمون، في العصر الوسيط، “البربر“ من أصل يماني، أي من “العرب العاربة“ الذين لم يكن لهم قط عهد بالعجمة ؛ وعلى نهجهم سار المنظرون الاستعمار الفرنسي الاستيطاني في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، فأخذوا يتمحلون البراهين على أن “ البربر“ أوروبيوالمنبت، خاصة الشقر والبيض منهم. ومن الواضح أن الحافز في الادعائين كليهما سياسي، سواء أكان صادرا عن حسن نية أم كان إرادة تبربر للاستيطان. ومع تراجع الاستعمار الأوربي عن افريقية الشمالي، أخذت هذه المسألة العلمية تفرض على الباحثين كل تحفظ لازم، لا سيما تجاه المصادر المكتوبة، ما لم تدعمها معطيات أخرى أكثر ضمانا للموضوعية. وقد عمل بجد، خلال الأربعين سنة الأخيرة، على استغلال الإمكانات الأركيولوجية والأنتربولوجية واللسنية في البحث عن أصل الأمازيغيين، أوعن أصول المغاربة على الأصح، والنتائج الأولى التي أفضت إليها البحوث أن سكان افريقية الشمالية الحاليين في جملتهم، لهم صلة وثيقة بالإنسان الذي استقر بهذه الديار منذ ما قبل التاريخ;، أي منذ ما قدر بـ 9.000 سنة، من جهة ؛ وأن المد البشري في هذه المنطقة، كان دائما يتجه وجهة الغرب انطلاقا من الشرق، من جهة أخرى (Berbères, Camps, 44). وبناء على هذا، يمكن القول إن من العبث أن يبحث ل “ لبربر“ عن مواطن أصلية غير التي نشأوا فيها منذ ما يقرب من مائة قرن. ومن يتكلف ذلك البحث يستوجب على نفسه أن يطبقه في التماس “ مواطن أصلية “ للصينيين، مثلا، أولهنود الهند والسند، أولقدماء المصريين، أولليمانيين أنفسهم وللعرب كافة، ليعلم من أين جاؤوا إلى جزيرة العرب. وكل ما يمكن تأكيده اليوم، فيما يرجع للقرابة القديمة المحتملة بين إمازيغن واليمانيين، يكمن في قرائن ثلاث:

أ ـ عدد لا بأس به من أسماء الأماكن التي توجد على الطريق البري الواصل بين المغرب الكبير وبين اليمن عبر القارة الإفريقية، لها صيغ أمازيغية وواضحة، ولبعضها مدلولات في اللغة “البربرية “. منها في صعيد مصر: أبنو، وأسيوط، وأخميم وتيما، وتالا، وأصوان (اسوان)، وتوشكا… وفي شمال السوان: تاراگما، وأتبارا، وتيمرايين… وفي إيريتريا: أكسوم، وأسمارا، وأگوالا، وأگوردات أوأگورضاد… لكن، لا يوجد في اليمن نفسها، حسب ما هومرسوم في الخرائط العادية، أسماء أماكن من هذا القبيل، إلا اسم جزيرة “أنتوفاش“. أيرجع تسلسل الأسماء السالفة الذكر على الطريق القارية الرابطة بين افريقية الشمالية وبين اليمن إلى عهد هجرة قديمة ترك آثارها في الأصقاع التي عبرتها ؟ أم يرجع إلى قرابة بين اللغة الأمازيغية وبين المصرية القديمة، واللغات الكوشية ؟

بـ ـ لقد عثرت شخصيا على عدد من الألفاظ العربية التي قال بشأنها صاحب لسان العرب أنها “ حِمْيرية“ أو“ يمانية “ ؛ وهي ألفاظ لها وجود في الأمازيغية، إما بمدلولها “ الحمْيَري “ وإما بمدلول معاكس، وكأنها انقلبت إلى أضدادها. لكن عدد هذه الألفاظ قليل لا يسمح بجزم في الموضوع، إلا إذا تمت دراسة مقارنة ميدانية بين اللهجات الأمازيغية واللهجات اليمنية الحالية من حيث معطياتها المعجمية والصرفية والفونولوجية.

جـ ـ بين حروف “ تيفيناغ “، القديمة منها والتوارگية، وبين حروف الحميريين شبه ملحوظ في الأشكال. لكنها لا تتقابل في تأدية الأصوات، إلا في حالتين اثنتين بتجاوز في التدقيق (مراسلة شخصية بيني وبين الباحث الفرنسي كريستيان روبان Christian Robin، محرر الفصل الخاص بحضارة جنوبي الجزيرة قبل الإسلام في (l’Arabie du Sud).

ولعل طريق البحث في هذا الموضوع سيختصر في العقود الأولى من القرن المقبل، أوقبلها بقليل، لكن مسائل المقارنة الانثروبولوجية بين الشعوب أصبحت جد دقيقة، بفضل الاكتشافات الأخيرة التي حققها العالمان “ جان دوصي Jean Dausset “ و“ جان بيرنار Jean bernard “ المتخصصان في فحص الكريات الحمراء على مستوى أشكال سطوحها. ولقد تمكن هذان العالمان من اقتفاء اثار شعوب هاجرت مواطنها الأصلية منذ خمسة عشر ألف سنة (Le sang et l’histoire).

‏ IV ـ خصوصيات الأمازيغيين ومميزاتهم: هل للأمازيغيين خصوصيات، بصفتهم “ بربرا “ ليس غير ؟ ـ لقد ذهب كثير من المؤلفين في تاريخ افريقية الشمالية، والأوربيون خاصة منهم، إلى أ ن الأمازيغيين كانوا دائما، ولا يزالون يميلون إلى الفوضى، وبالتالي إلى التخلص من قبضة كل سلطة يريد تنظيم أمورهم. فنتج من ذلك تتابع الثورات والفتن، بغير انقطاع، في مواطنهم، وتعرضها المستمر للهجمات الآتية من الخارج. ويعزى ميلهم هذا، في نظر أولئك المؤلفين إلى… طبيعتهم الأمازيغية التي انفردوا بها. وهذا ليس بتفسير علمي، بل هوتفسير نظري محض صادر عن حسن نية أوعن رغبة سياسية. والواقع الملموس، الذي يلمسه كل من أتيح له أن يدرس تواريخ الأمم مقارنة من زوايا مختلفة، هوأن طبيعة افريقية الشمالية الجغرافية هي التي كيفت في العمق المجتمع الأمازيغي وجعلت منه مجتمعا اقرب إلى البداوة منه إلى الحضارة والتمدن، وذلك بحكم عاملين اثنين، أولهما اختلاف المناطق خصبا وجدبا، وبروة ودفئا، وغزارة أوقلة في الماء، باعتبار تتابع الفصول، ثم وجود “ هامش “ صحراوي شاسع وراء الأطالس الثلاثة، ونجود داخلية شبيهة بالجرداء. وثانيهما هواجتياح القحط والجفاف مناطق معينة لمدة معينة،أومناطق مترامية الأطراف على مدى سنوات، وهوما يسمِّيه صاحب الاستقصاء بـ “ توالي المجاعات والانتجاعات “ (4: 67). هذان العاملان هما اللذان تسبّبا في استمراريّة نمط العيش الاستنجاعّي، الذي تسبّب بدوره استمراريّة النظام القبلي في جلِّ الأقاليم، لأن النظام القبلي هوالمواتي لحياة الحلّ والترحال الجماعيين. وعلى النظام القبلي ترتّب ما ترتب من الخصوصيات في التقاليد الاجتماعية، التي تؤثّر بدورها في طباع الأفراد. من تلك الخصوصيّات مثلاً الميْل إلى التقشّف ورفض حياة البذخ والتنعم. ومن تلك الخصوصيات الحرص على إقرار مبدأ المساواة بين أفراد العشيرة، وبين العشائر في نطاق الكيان القبلي، وعلى إقامة أعراف يتعارف عليها في التساكن والتعايش والتعامل في سياق الانتجاع المستمر، ثم على مراعاة العصبيات التي هي ضمان القدرة على الدفاع عن المصالح المشتركة، في حدود آفاق القبيلة المكانية والزمنية، أوعلى أحسن تقدير، في حدود آفاق حلف من القبائل المتجاورة ومن هذا كله يحصل توازن اجتماعي نسبي وغير قار يكون في اغلب الحالات هوالحائل دون قيام نظام سياسي قوي، مركز في المكان، طويل البقاء في الزمان. وفي ضوء هذه الاعتبارات يفهم تاريخ الأمازيغيين، ويفهم تاريخ شعوب أخرى. وفي ضوء هذه الاعتبارات أيضا يبحث عن أسس الديموقراطيات المحلية “ البربرية “، وعن سر قدرة الأمازيغيين على مواجهة القوى الأجنبية، في عدم الاستسلام لها حتى عند توالي انتصاراتها الحربية أوالسياسية. وفي ضوء هذه الاعتبارات يدركم السبب الذي من اجله كان “ البربر “ في العهد الإسلامي، يرغبون عن اتخاذ الحَكَم من دويهم وبني جلدهم، ومن اجله كان كل ذي طموح سياسي منهم يتنكر لانتمائه القبلي ولانتمائه الأمازيغي (Histoire politique du Maroc).

الديموقراطيات المحلية كانت قائمة على مبدإ المساواة بين افرد العشيرة وبين العشائر التي تجمعها قرابة الدم، ثم بطون القبيلة الواحدة أوبين القبائل المتجاورة، ولكن مع مراعاة توازن القوى. ولا ينتدب لتمثيل الجماعة في دواليب هذا الحكم الديموقراطي نواب يعينهم الاقتراع، ولكن ينتدب له الشيوخ الذين ترشحهم مكانتهم الاجتماعية وقدراتهم. كان رؤساء العشائر عادة يتهربون من تحمل المسؤوليات نظرا لما يتبعها من التكاليف التي لا يجزى عليها بأي تعويض، ولذا كانت مجالس الشورى تحار لا في الفصل بين مرشحين للمناصب لانتخاب احدهم، ولكن في إيجاد من يقبل تحمل المسؤولية ؛ وكان المجلس يضطر أحيانا إلى اختيار عضوغائب عن قصد أوعن غير قصد، فيأتيه في بيته للإلحاح عليه كي يقبل منصبا ما. كانت المناصب الرئيسية، عند قبائل الرحل وأنصاف الرحل هي الآتية: القيادة في الحروب، والريادة في الاستنجاع، وعضوية مجلس القضاء ؛ وكانت ريادة الاستنجاع تعوض عند أهل المدر بالأمانة على شؤون القرية. كان الرائد يسمى “ أمغار ن توگا = شيخ المرعى “ ؛ والقائد “أمغارن تيريت = شيخ الإستنفار“ ؛ والعضوفي مجلس القضاء “ أمزارفوأوانزارفو“ ؛ والقضاء الجماعي “ أزرف“ ؛ والأمين على شؤون القرية “ أنفلوس“. كان القائد يعين عند نشوب الحرب، وتنتهي مهمته بانتهاء الحروب. وكان الرائد يعين لمدة سنة، من فصل ربيع إلى فصل الربيع الذي يليه. أما عضومجلس القضاء فكان يعين لمدة غير محددة لا تنتهي عادة إلا بوفاته أوباستقالته لعُذر مقبول. كان تنظيم الانتجاع يقتضي من “ شيخ المرعى “ ان يكون عارفا لاماكن الكلأ في تسلسلها بين الجبال والسهول، أوالنجود والبراري، ولأهمية مساحتها ونوعيتها وما هوملك خاص وما هومشاع (، ولكن بالتعيين المتفق عليه بالإجماع، من بين الشجعان الذين لهم سوابق في إصابة الظن والإشارة بالخطة الحربية المناسبة. كان يفوض إليه الأمر كله يوم القتال؛ أما شؤون التعبئة والاستعداد فمن اختصاص مجلس الشورى وكان من المفروض في كل مرشح للعضوية في مجلس القضاء أن يكون ملما بتفاصيل الأعراف والتقاليد التي تستن بها القبيلة، وملما كذلك بالشريعة الإسلامية في خططها العريضة، قادرا على الاجتهاد حتى يسهم مع زملائه في حسم القضايا التي هي من باب النوازل حسما يغني “ فقه “ الأعراف.

ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض القبائل كانت تتفق على إنشاء مجالس مشتركة بينها تقوم مقام محاكم الاستئناف، وأن التقاضي كان يوجب على المتقاضين استعمال تعبير معينة لإشعار المجلس الابتدائي، في لباقة، بأن حكمه مرفوض، واستعمال تعبير أخرى لإشعار مجلس الاستئناف بأن عليه المعول بصفته المرجع النهائي. كانت أحكام مجلس الاستئناف تنفذ غالبا، بفضل ضغوط أعيان القبيلة على المحكوم عليه. كانت المنازعات التي تعرض على مجلس القضاء لا تختلف في شئ عن المنازعات التي تشجر في المجتمعات الرعوية، أوفي المجتمعات القروية من اجل الكلأ والماء والخصومات المتعددة الأسباب، وحراسة البساتين وتحديد الحقول المزروعة. كانت قضايا القتل العمد وغير العمد من أكثر المسائل استعصاء على الحل ؛ وكانت تعالج بالطريقة التي تعالج بها عن البدوالرحل في كثير من مناطق المعمور (Le prix du sang.., 8 à 14). كان القضاة يجتهدون في تقدير التعويض عن الجروح اجتهادات تختلف من قبيلة إلى أخرى ومن سنة إلى سنة باختلاف الأوضاع الاقتصادية. كان التعويض عن الجرح في الوجه يحدد عند “ ايت عطا “، مثلا، بالطريقة الآتية: يقف احد القضاة أمام الجريح ـ بع أن يكون الجرح الذي في وجهه ق التأم ـ ثم يسير القهقرى رويدا رويدا إلى أن تتعذر عليه رؤية النَّدَبة، أي اثر الجرح ؛ فيتوقف ويقيس احد القضاة الآخرين ما بينه وبين الجريح من عدد الخطوات. ثم يصدر مجلس القضاء حكمه بأن يعوض المجني عليه عن جرحه. فان كان رجلا حكم له بأخذ ما يساوي عدد الخطى غنما ؛ وإن كان امرأة حكم لها تأخذه بقرا.

هذه الأوضاع القبلية كانت سائدة في المجتمع التقليدي الأمازيغي إلى منتصف القرن العشرين؛ والغالب أنها لم تتغير كثيرا منذ العصور القديمة. ولقد كانت مصدر قوة وضعف في ان واحد. كانت مصدر قوة لأنها حالت دون قيام أي نظام فييودالي كالذي عرفته أوروبا، ودون قيام أي نظام طاغوتي كالذي عرفه وادي النيل لمدة ثلاثة آلاف سنة، ودون قيام أي نظام قيصري ولا كسروي. ولذا لم يستعبد “ البربر “ قط استعبادا جماعيا وحتى إذا برزت لهم في الأفق قوة تدّعي الجبروت ناوشتها القبائل بدون انقطاع أورحلت عن منطقة نفوذها متحينة الفرص للانقضاض عليها وكسر شوكتها عاجلا أوآجلا. وكانت مصدر قوة نسبية مكنت الأمازيغيين من مواجهة الهجمات الاستعمارية التي توالت على افريقية الشمالية ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد. ذلك لان حياة البداوة تمنع الشعوب من الركون إلى التنعم والاسترخاء، من جهة، ولان المهاجمين كانوا يجدون أمامهم دائما مقاومة سريعة التنقل من ناحية إلى ناحية، غير ملتزمة بقرار رئاسة مركزية ؛ فإذا استسلمت قبائل لاذت قبائل أخرى بالجبال أوبالصحراء لتنطلق منها بعد حين وتنغص على المستعمر مقامه وتجعله دائما في موقف الدفاع إلى أن تذهب ريحه مع الزمن وتبقى الأرض لأهلها. ومما لاشك فيه ان الشعوب المبهم بالانتماء العرقي أواللغوي المشترك كان يضمن مستوى اذنى من التآزر بين القبائل لمواجهتها للأجنبي الدخيل. وكانت مصدر قوة نسبية أيضا لأنها عاقت عمليات المثاقفة التي تلاحقت على ارض المغرب الكبير عن بلوغ مداها في أي عصر من العصور، رغم طول الزمن، فمكنت اللغة الأمازيغية من البقاء. مكنتها من البقاء في حالة متردية، لكن في حالة قابلة للانتعاش، بينما صارت إلى خبر كان عشرات اللغات التي عايشتها وعاصرتها في القديم، كالمصرية القديمة، واللاتينية والفينيقية والغالية وغيرها.

لكن، من جهة أخرى، كانت تلك الأوضاع مصدر ضعف ملحوظ، لأنها أولا جعلت الأمازيغيين، بصفتهم امة، في مواقف الدفاع عن النفس في جل حقب التاريخ، مع ما كان يتوفر لهم من القوة الحربية الكمينة في عدد قبائلهم وفي تعودهم حياة الشظف. كانوا يهاجمون في عقر دارهم، ولم يكونوا قادرين على التكتل العسكري الذي تنبع منه الرغبة في التوسيع على حساب الغير. وكانت مصدر ضعف لأنها منعت قيام أي دولة مركزية قوية يسمح لها طول بقائها بتنظيم الأمة في عمق كيانها، ولومع مصادرة جزء مهم من الحريات، وبإنشاء حضارة مادية رفيعة متميزة. وكانت مصدر ضعف، بما أن امتناع “ البربر“ عن السماح لأية فصيلة منهم بالسيطرة والتعالي كان يضطرهم إلى تحكيم غيرهم في شؤونهم، إما على مستوى الدول وإما على مستوى الأفراد، إلى أن صار ذووالطموح السياسي منهم، بسبب ذلك، ينتحلون الأنساب غير الأمازيغية كي يستتب لهم الأمر ؛ فعل ذلك ابن تومرت وعبدالمؤمن بن علي والسلاطين المرينيون وغيرهم، كما فعله من قبلهم يوبا الثاني إذ كان يدعي ويرسخ في أذهان الناس أنه من سلالة البطل اليوناني الأسطوري “ هرقل Hercule , Hêraklês “ (Gsell, VIII : 237). وكانت تلك الأوضاع مصدر ضعف لأنها حالت بين الثقافة الأمازيغية الذاتية وبين النمووالازدهار، وأبقتها على حالتها المناسبة لنمط العيش القبلي المائل إلى البداوة. فوجدت تلك الثقافة نفسها في تنافس وتبارٍ مع ثقافات أكثر نموا وسلمت لها بالتعاقب على شغل مجالات التحضر والتمدن.

وهكذا يمكن القول إن “البربر“لم يكن لهم الاختيار بين المسار الذي ساروا فيه منذ فجر التاريخ إلى يومنا وبين مسارات أخرى، ولكن جغرافية مواطنهم الطبيعية هي التي رسمت لهم معالم ذلك المسار، بما فرضته من أساليب الاسترزاق وما يترتب عليها من ظواهر الدور والتسلسل بين تقاليد المجتمع وطباع الأفراد في التفاعل مع بيئة ليست بصريحة الخصب ولا بصريحة الجدب، تجود حينا وتبخل أحيانا، تضاريسها متجزئة، ومناخها نائل إلى الجفاف مطبوع بالمتناقضات التي من جرائها يستمر انجراف التربة، إذ لا غطاء نباتي ينظم توزيع المياه بين الانصراف والتسرب إلى الجوف، ولا “ أفُق أولPremier horizon “ يسمح بظهور غطاء نباتي متماسك ذي شأن. وما على المرء، إن هوأراد أن يلمس هذه الظواهر، والمظاهر شاخصة للعيان، إلا أن يمعن النظر في المناظر التي يمكنه أن يشاهدها من الطائرة، في تتابعها من وسط أوربا إلى جنوبي المغرب، إذا ما أتيح له السفر من أوربا إلى المغرب يوم صحومن أيام الصيف أوالخريف أوالشتاء.

أما ما نبت فوق الأراضي “المغاربية“ من حضارات مستوردة، فيرجع سبب ازدهاره ازدهارا نسبيا إلى كونه نقلة فصلت عن حضارات احتضنت نشأتها وترعرها أراض أخرى بطبائع جغرافية أخرى.ربت شعوبا أخرى، إما بخصبها المتواصل ووفرة أسباب التكاثر والتماسك والتكاثل فيها، وإما بقساوتها الداعية إلى التطلع والتشوف إلى سواها.

ويبقى لنا مع ذلك أن نلتفت ونلفت الأنظار إلى خصوصيتين أمازيغيتين،علاقة إحداها بالبيئة ونمط العيش ظاهرة، وسبب وجود الأخرى غير واضح. الخصوصية الأولى هي الجنوح إلى التمسك بالراديكالية في الاختيار والسلوك والنظر؛ ومنها نتج تبني الدوناتية المسيحية في العصر القديم، ثم تبني مذهب الخوارج في العصر الوسيط، والانفراد بالمالكية ؛ وبها يمكن تفسير صرامة ابن تومرت وصرامة تلامذته من الموحدين الأول، ويمكن تفسير ميل أفراد إلى الصلاحية والنسك المفرطين وميل آخرين إلى الشعوذة والنصب والسطووالتشغيب.والخصوصية الثانية هي ازدراء الإطناب في القول والفخفخة والتبجج، شأنهم في ذلك شأن الإسبارطيين القدماء (التاريخ العالمي للتربية، L’Histoire mondiale de l’éducation, I : 142…). وعنها صدر موقف يوسف بن تاشفين إذ أمر كاتبه بأن يقتضب الجواب على الرسالة المطولة التي كان ملك أستوريا “ ألفونسو“ السادس قد بعث بها إليه محذرا له قبيل يوم الزلاقة. هذه الخصوصية قد تبلورت عند الأمازيغيين في مثل سائر قديم يقول “المتبجح القَوَّال لا يفْعَل، والفَعَّال العَامِل لا يقول = ونّْايْتّنين ورْايْتُگَّا، ونْـّايْتگَّان ورْايْتَّيْني“.


نقلا عن معلمة المغرب / محمد شفيق / صفحة 674 إلى 679

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى