NUMiDIA نوميديا
NUMiDIA نوميديا

منتدى ثقافي فكري حواري

.... لقد تمّ حذف مادّة مهمّة من ساحة : أضف كلمة أمازيغية فهل يوجد من بين اعضاء المنتدى من يحتفظ بها
--------- Tfaska n'wen d'tameggast عيد سعيد
أهلا === azul كيف حالك ?=== ?manzakin ماذا تفعل ? === ? matta hetteggd أين تذهب ? === ? mani tild أين أنت ? === ? mani hellid ما بك ؟ === ?matta chyughn عفوا === asorf الى اللقاء === ar timlilit من فضلك === igh as tufit سنة سعيدة === asggas ighodan شكرا === tanmmirt صباح الخير === tifawin ليلة سعيدة === timnsiwin إلى اللقاء === ar tufat تشرفنا بمعرفتك === s waddur tusna nk جيد === iyfoulki مرحبا بكم === ansof iswn إلى وقت آخر === ar tiklit yadn

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

]من العقدة إلى الأسطورة: تفكيك الصورة السياسية لعقبة بن نافع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin

avatar
Admin
من العقدة إلى الأسطورة: تفكيك الصورة السياسية لعقبة بن نافع
بقلم : حسن بنحقية

لن أقوم هنا بدراسة تاريخية كاملة لأنني لست مؤرخا، بل سأطور فقط فكرة انطلاقا من التقاء تاريخي، حضاري وثقافي مخل للتوازن بين المشرق (مطلع الجزيرة العربية) والمغرب (الغرب، تمازغا البربرية). سأبحث في الماضي الجماعي وقراءته للحصول على معرفة موضوعية حول تطور مجتمعنا منذ البداية إلى الآن. يجب ربط سياسة التعريب العنيفة والهمجية المعاصرة بالتواجد المشرقي الأول في أفريقيا الشمالية. سأحاول بيان منطق هذا التسلسل: عنف فردي (لرجل حرب) في البداية، وعنف عام من طرف المؤسسات النظامية الحالية.
يعتبر التاريخ الرسمي هذا الالتقاء بين المشرق والمغرب التقاء للسلم والاعتراف المتبادل والأخوة مع أنه قبل كل شيء تصادم عنيف لغويا وثقافيا، هذا الالتقاء الذي يظهر تارة كمزيج بين العروبة والإسلام، وتارة بين الأمازيغية والإسلام. ويبدو من الصعب إظهار العناصر المبينة لكل واحد من العالمين غير أنه من الضروري التذكير ببداية الالتقاء بينهما من أجل توضيح أكثر.
جاءت هذه الفكرة نتيجة قراءتي لنصين أحدهما بيوغرافي حول عقبة بن نافع الفهري، يمدح هذا الغازي السفاح (الملقب بممهد الطريق للعروبة) مدحا يخل بالرواية التاريخية لكثرته، والآخر لبثينة شعبان عنوانه «دروس الرباط» (الشرق الأوسط 29.11.2004)، والذي وصف وصفا حاسما عظمة العروبي «الفائقة» في المغرب حيث المغاربة متفوقون في حبهم للعروبة وكراهيتهم لذاتهم و(الأمازيغية).
من الصعب ترجمة أو شرح الانطباع الأول الذي نشعر به بعد اكتشافنا لهذه الشخصية. كيف يمكن أن تستمر شهرة هذا الاسم الشرقي في الفضاء المغاربي؟ لماذا كل هذه الحماسة في تسمية شوارع وأزقة أفريقيا الشمالية بهذا الاسم؟ وهل يمكن لهذه الوضعية اللاواقعية والمتناقضة أيضا أن توضح ما نسميه هنا بــ»عقدة عقبة»؟ هل يتعلق الأمر بعقدة مفترضة أو مقبولة أصبحت أسطورة؟ وماذا عن النقد أو القراءة النقدية التي يمكن لها أن توضح أن هذه العقدة الأفريقية الشمالية ليست إلا للنيل من «إمازيغن»؟ إن كل عقدة كبيرة ومؤلمة إذا لم تخضع لمعيار، أو تشرح ليتحرر منها العقل تصبح بالضرورة أسطورة تأسيسية للواقع. وهذا صحيح في حالة عقبة، المؤسس للعروبة في شمال إفريقيا.
1 ـ تعريف أول للأمازيغ
حول هذا الاتصال المخل للتوازن يمكن أن نتساءل منذ متى أصبح هذا المستبد الطاغي رمزا سياسيا في أفريقيا الشمالية؟ في الحقيقة كان ذلك منذ أن بدأ النظام المشرقي في المنطقة يؤسس لما هو مشروع بداية (العروبة) ومحرما لما هو غير مشروع (تيموزغا) منتهيا بتبديل لما هو أصلي (propre) بما هو دخيل (exogène).
في البداية لنحاول توضيح هذا الاتصال الأولي «الذي أخذ أبعادا خيالية»، والذي وقع بين المشرق والمغرب في الخيال المكتوب العربي. لقد كتب عنه الكثير ولا شيء في نفس الوقت: وصفه المؤرخون المشارقة على أنه بداية للسلام والحكمة والحب والأخوة على أرض متوحشة يسود فيها الكفر. كما أنهم وصفوا اعتناق الإسلام بكونه تلقائيا ومفيدا، وسهلا وفوريا، وأن كل هذا وقع بفضل ظهور التسامح والأخوة والمشاورة، وعلى أنه بعد أن عرف الشعب الأمازيغي تعدد الديانات من يهودية ومسيحية اعتنق الإسلام بافتخار جسدا وروحا مع الأخذ بالعروبة كوسيلة للخلاص.
كتب المؤرخ الشيح أبوعباس الناصري (حسب الجمان AlJaman): فتحت مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وخضعت لحكم ابن العاص الذي استقبل ست مجموعات بربرية حلقت رؤوسهم ولحاهم.
ـ من أنتم وما تريدون؟
ـ نريد أن نسلم، ولقد أتينا لأن أسلافنا قد نصحونا بذلك.
فأرسلهم عمرو بن العاص إلى عمر مخبرا إياه بحالهم.
فكانت المحادثة بينهم بمساعدة مترجم كما يلي:
ـ من أنتم؟
ـ نحن ذرية الأمازيغ.
فسأل عمر مساعده:
ـ هل سبق لكم أن سمعتم بهؤلاء؟
ـ (قال كبير قريش): يا أمير المؤمنين، إن هؤلاء البربر هم ذرية بن قالس بن ألان الذي ذهب يوما بعد إن أغضب أباه وإخوته الذين صاحوا عليهم «اذهب! اذهب! (بر! بر!) (يعني اذهب إلى الأراضي القاحلة)
ـ (سألهم عمر) ما هي خصائص بلادكم؟
ـ نحن نشرف الفرس ونحتقر النساء.
ـ (فسألهم عمر) هل لديكم مدائن؟
ـ لا
ـ هل لديكم شرفاء يقودونكم؟
ـ لا
ـ آه يا رب! كنت مع النبي في إحدى الغزوات فلاحظت ضالة جيشنا فبكيت. فقال النبي: لا تقلق يا عمر، فإن الله سيشرف هذا الدين بشعب من المغرب لا يملك المدائن والصوامع والأسواق ولا الشرفاء لقيادته»، فأضاف عمر: «الحمد لله الذي أنعم علي برؤيتهم» فاستقبلهم وجعلهم في مقدمة جيوشه فكتب إلى عمرو بن العاص آمرا إياه بجعلهم في مقدمة المسلمين، فكانت أعدادهم كثيرة.»(1)
إذا فرضنا جدلا أن هذه الرواية صحيحة تاريخيا فإنه يمكن لنا أن نخلص ملاحظتنا كما يلي:
ـ هذا اللقاء الودي والأخوي على عكس اللقاء مع عقبة (المعاصر لعمرو بن العاص) الذي قام بذبح وإحراق وبتر «إخوانه» سكان تمازغا.
ـ إن اللقاء الأول بين إمازيغن والعرب وقع بالسفر الفعلي للشمال الأفريقيين (لزيارة شبه الجزيرة وطلب المساعدة الروحية)، وأيضا من خلال التبادل الرمزي (الترجمة الضرورية)، الشيء الذي يؤكد على مدى اختلاف الثقافتين.
ـ لم تحتو الرواية على أي شيء «إيجابي» يتعلق بهوية الشمال الأفريقي بل فقط على أوصاف «سلبية».
ـ يعتبر إمازيغن أنفسهم من «ذرية أمازيغ» في حين أن الآخرين يطلقون عليهم اسم «البربر» المشتقة من اللغة العربية «بر! بر! أي (اذهب! اذهب).
هذا اللقب الذي يمس بالهوية يصرح حول نوع العلاقة بين الدخلاء والسكان الأصليين. أو فقط مجرد خيال. وتستمر هذه المخادعة (أو المخاتلة) إلى يومنا هذا: فكل ما له صلة بالمغرب فهو دون المستوى وهذا راجع بالفعل إلى رؤية المشرق السلبية تجاه المغرب.
ـ في هذه الرواية أعطى الراوي صورة عن الأمازيغ: يحلق رأسه ولحيته. وهذا يعني التمكن من استعمال المعدن المستعمل في الحلاقة، إلى جانب العادة المتعلقة بالاهتمام بالنظافة المتجلي في عدم ترك الشعر...
ـ إن هذه الرواية تبين أكثر الفرق بين الثقافتين رغم أنه سيقصي شيئا فشيئا من خلالها. إن القطيعة بين العالمين لم تبين ولم توضح. وهذا النص الذي هو ذو صبغة إيديولوجية يحاول تحديد العلاقات بين العالمين نتيجة ظهور الإسلام: يجب على المغرب أن يكون تابعا للمشرق.
ـ يريد المؤلف (كالمؤرخ المغربي الذي استشهد بالنص) تزكية تبعية المغرب للمشرق).
لا ماضي لإمازيغن سوى الذي له العلاقة بالعرب، وعليه التوبة والرجوع إليه، (لكونه كان عاصيا لأبيه ولأخوته) والاعتراف بكون ماضيه «الأصلي». بعبارة أخرى إن الأمازيغي لم يكن إلا ذلك العربي الذي هاجر في حقب ما من التاريخ لكونه كان ملعونا من طرف أجداده.
ـ ينظر العرب إلى الأمازيغ نظرة دونية لكونه ملعونا من طرف «الأب المشترك بينهم». والهدف من هذه الرؤية هو التعريف انطلاقا من ذكريات عمر بهوية (عرق) غامضة ومنحطة، تحمل المشرق النير مسؤولية التكفل بها مع نهج أسلوب الرفض بقبول التنوع والاختلاف.
ـ هذه التزكية تشجع الرأي بكون الإسلام طبيعيا عند الشعوب، ومن جهة أخرى البحث عن الحكمة والحب من طرف هذا الشعب «الشمال الإفريقي».
ـ إن إمازيغن يرفضون ثقافتهم الأصلية (المدائن، الأسواق، الأشراف) أمام الخليفة وذلك احتراما لرغبة أجدادهم بغية الرجوع إلى «الأصل». كيف يمكن لهم أن يحققوا أمنية أسلافهم (إمغارن) في الوقت الذي ينفون وجود الأشراف الذين يرشدونهم؟ هنا نلاحظ تناقض هذه الرواية الهزلية.
ـ من خلال تعريفهم المزعوم المتعلق بتشريفهم للفرس وتحقيرهم للمرأة تظهر سلبية وعيهم بكيانهم أمام الآخرين. لن تكون ميزاتهم فريدة إلا بالمقارنة مع طرق الحياة الجماعية الأخرى، كيف يمكن إذن تطويرها بشكل واضح؟ في الحقيقة فإن الكاهنة دليل مناقض لهذه الميزة التي صاغها المؤرخ بشكل غير موضوعي. وفيما يتعلق بالميزة الأولى المتعلقة بتربية الفرس فهي صحيحة. فالنصوص التاريخية القديمة، خاصة هيرودوت في «التحقيق L’enquête» عبر بشكل واضح على هذه الحقيقة: اشتهر إمازيغن بكونهم مروضين وأفضل صانعي عربات الحرب.
ـ أن الخليفة عمر كان يجهل تاريخ إمازيغن (يفترض أنه رجل عارف)، هذا التاريخ الذي أساء إليه شيخ مساعد بأقواله الغير الدنيئة والعنصرية.
ـ في البداية ظهر الخليفة وكأنه يجهل تاريخ إمازيغن، إلا أنه تذكر بعد ذلك ما قاله النبي (ص) عن هذا الشعب الذي سيساهم في نشر الإسلام. هؤلاء البربر الذين لا يملكون ثقافة ولا حضارة، سيصبحون أفضل جنود للإسلام (تحت قيادة الآخرين لكن في الصفوف الأولى في ميدان المعركة) وهذا مستمر: الموت والتضحية دفاعا عن قضايا الآخرين.
ـ من جهة أخرى، فالنص عبارة عن إدانة لأسلوب حياة وقيم. فنبذ المدائن (ثقافة) والأشراف (المعرفة) والأسواق (الاقتصاد) هو بمثابة دعوة لغزو الغرب. والسوق الذي تسود فيه مبادلات هامة عبارة عن نظام سوسيو– اقتصادي هام.
ـ إن المؤرخين العرب لا يهتمون بتاتا بالموضوعية، إذ أن لديهم عقدة الانتصارات والبطولات الممجدة والأسطورية حولت إلى تاريخ مكتوب تطل عليه الأجيال المتتابعة، مما أدى إلى ترسيخ الأسطورة والخيال، وبالتالي النقطة التي يدور حولها تاريخ الغرب الأمازيغي والمتعلقة بفكرة «مشرق العرب الملعونين والمغضوب عليهم». ومن هنا جاءت الأسطورة التي أريد من خلالها شرح لغز «أصل» إمازيغن تاريخيا! وحسب هذه الفكرة التي هدفها الحط من قدر هؤلاء فإن إمازيغن مخطئون ومذنبون في حق آبائهم (العرب)، في حين أن علاقة هؤلاء (أي العرب) بالأجداد تتسم دوما بالعطف والاحترام. من هنا أيضا أتى الإحساس بالتفوق لدى المشارقة في علاقتهم مع «المغرب».
ـ يشكك الراوي هنا بشكل عام في قيمة إمازيغن «الثقافية والرمزية» كما فعل الغزاة المسيحيون عندما شككوا في الصفة الإنسانية للهنود Les indiens (الهندي عندهم بمثابة حيوان). فاللقاء (التصادم) الحضاري يمس بالتوازن بكشفه عن عمق الاختلاف.
إن الرواية غير صحيحة (خاطئة) لكونها جاءت عن طريق المنقول المتوارث وتشدد على التفوق والامتياز العرقي وهي بالتالي تؤيد الطبيعة القوية والناشئة التي تتصف بها العلاقة بين المشرق والمغرب. وفي هذا الصدد فإن رحلة المغاربيين إلى مصر المحتلة، وبعد ذلك إلى المشرق تبين مدى التدرج «الإداري» عند العرب...
ـ وأخيرا فإن هذا الالتقاء الأولي «الخيالي» دعم قصة عقبة التي جاءت على شكل نكتة وتأويلات مختلفة، الغرض منها النيل من قيمة (الشعب الأمازيغي) عند الغزاة العرب، هؤلاء الذين أتوا فيما بعد لنشر العقيدة الإسلامية. جذب الانتشار الغير الشامل لهذه العقيدة في بلاد المغرب المقاتلين المتعطشين إلى الغنائم والنساء. وكنتيجة لهذه العقدة الجديدة فإن السكان الأصليين أمام أمرين جديدين: الإسلام واللغة العربية.
كباقي الشعوب المستعمرة فإن إمازيغن أخذوا في النهاية بالإسلام ولكن لم يأخذوا بسهولة اللغة (وسيلة التواصل) لأنهم يملكون لغتهم الأصلية...
2 ـ عقبة: من درس تاريخي إلى التاريخ
لم يكن اعتناق إمازيغن للإسلام سهلا وسريعا لكون الدين الجديد بلغة غريبة عليهم، مما أدى إلى «الفتوحات» الطويلة التي عرفتها أفريقيا الشمالية بغية القضاء على النظام الأصلي، تم خلالها الخلط بين نشر العقيدة والاختطاف والاغتصاب والجري وراء الغنائم والفساد والإجرام. هذا النوع من الغزوات التي جاءت في شكل اجتياح وغارات لم تكن لتساهم في نشر الإيمان أكثر من العنف والإرهاب.
هدف البدو هو الحصول على الثروات في الغرب الأقصى وهذا شبيه بما وقع بأمريكا من طرف المسيحيين. وخلال هذه التجارب المؤلمة هيمنت الفلسفة التي تدعو إلى البحث عن الثروة وراء ذريعة نشر الإيمان والقضاء على السكان الأصليين من أجل تبديلهم بالمستعمرين الغزاة... وانطلاقا من هذا يمكن القول بأن عقبة وكريستوف كولومب من طينة واحدة هدفهم الوحيد هو الدمار والغزو... الشيء الذي يذكر بمقولة شيشيرون Cicéron(2) «تغلبنا على العالم بفضل الدين»... رغم أن أصل كلمة «religion» من relegare (جمع، ضم) أو أمر religare (ربط) فإن هدف رجال الدين والمبشرين هو القضاء على كل ثقافة تخالف ثقافتهم.
ولكن من هو عقبة؟ لقد اتفقت الكتب المدرسية في «المغرب» التي تسيطر عليها الإيديولوجية المشرقية على انه: «قائد عسكري كبير عشائري بالولادة، حامل للتنبؤات، محسن بالحيوانات، باني القيروان (ساحة المعركة) المدينة التونسية، كرس نفسه لنشر الإسلام، و...»
الداعي إلى التيقظ، الإخوة الحب، العدالة والسلام الأبدي بين الأخوة العرب. وتقول أيضا هذه النصوص التاريخية إن اسمه الشخصي يسوده غموض: فعقبة يشرح تارة «بنهاية» و»عتبة» تارة أخرى، إنها تسمية مبنية على شعور مسبق. ويعتقد أيضا أنه كان يريد عبور المحيط حيث سار بفرسه في اتجاه البحر حتى منعت المياه الحيوان المسكين من التقدم أكثر فصاح قائلا: «لو لم يكن هذا المحيط لغزوت الأرض بأكملها». ونسبت إليه كذلك هذه المقولة:»لقد نشرت الإسلام في جميع بقاع العالم»! في الواقع إن إيمانه لم يكن يعني التقوى بل كان مزيجا من الرغبة في الغزو، والذي يعني العنف والقيام بالمذابح باسم الله! إخضاع إمازيغن واضطهاد كل من لم يؤمن بالله يشكلان المهمة المزدوجة التي حملها عقبة لنفسه في شمال إفريقيا في الوقت الذي كان فيه السكان الأصليون منقسمين بين عبادة الأصنام والإيمان بالله (المسيحية واليهودية). يرى عقبة أن غزو هذه الأراضي جهاد في سبيل الله. وهكذا مات وهو يبحث عن «الشهادة» وعمره 65 عاما!
إن اللقاء «العنيف» بين المشرق والمغرب كان مسبوقا بأعمال تخريبية. ففي سنة 646، اتجه المقاتل ابن أبي سار وهو على رأس جيش قوي نحو أفريقيا (تونس) فخرب المدن والقرى في الوقت الذي كانت فيه المنطقة جزئيا تحت الحكم البيزنطي. ففرض هذا الغازي المشرقي على السكان مبلغا ماليا مهما كجزية (3) تدفع إليه طيلة عقدين من الزمن.
وفي سنة 666، جاء غاز آخر يدعى ابن هوادي على رأس جيش مهم فخاض المعارك في شمال إفريقيا وفرض على الناس الجزية كان غرضه الغنائم والعبيد (خاصة الأطفال والنساء). يستعمل الأطفال في تقوية الجيش لمحاربة الأمازيغ الغير المستسلمين، أما النساء فكن يستعملن للمتعة، وهنا يتضح أن كل هذه عوامل مغرية تجذب الغزاة (4) وكان هذا الإغراء كبيرا في ذلك العصر وهذا صحيح كذلك الآن إذ تستمر نفس الأحداث لكن في قوالب أخرى.
دخل عقبة، القائد العسكري الشاب، المشرق، بعد أن كان أسيرا لأبي المهاجر دينار، الحاكم الغير العربي (الأعجمي) على إفريقيا سنة 670. أدت سياسة هذا الأخير إلى إعادة السلام وإخماد الفتن في أفريقيا وكان نتيجة ذلك دخول أعداد كثيرة من الأمازيغ في الإسلام عن اقتناع دون وجود أي إحساس سلبي بتفوق العرب. لم يكن الوضع الجديد ليروق عقبة الذي اشتكى إلى الخليفة.
لقد منح وصول يزيد ابن الخليفة إلى الخلافة، فرصة لعقبة للرجوع إلى أفريقيا الشمالية سنة 628 حيث أصبح حاكما عليها قائلا: «أدركوها قبل أن يخربوها». غير أن لسان حال صاحب هذه الجملة المتعطش إلى الغنائم كان يقول «خربوها قبل أن يدركوها» لكون الأفارقة الذين أسلم جزء منهم كانوا على وشك التحرر من الغزو العربي، وأثر ذلك على الغنائم التي لم تعد تصل حكام المشرق. ونتج عن ذلك اضطهاد عقبة لإمازيغن، هؤلاء الأفارقة الأحرار، الذين كان يحتقرهم حيث كان يلقي القبض على النساء والأطفال لبيعهم في الأسواق المشرقية الشيء الذي من شأنه إدخال السرور على الحكام وترقية عقبة إلى منصب الحاكم فكان الأول في الوصول إلى الغرب الأقصى أي المغرب. وكان في طريقه يحاصر المدن والقرى ويأخذ من كل مدينة يغزوها ثلاثمائة وستين عبدا.
كانت لديه إستراتيجية خاصة به في إخضاع «الكفار» دون أن يحمل نفسه عناء إدخالهم إلى الإسلام وهي:
ـ يهاجم المدن فجأة خلال الليل أو دون سابق إنذار.
ـ لا يحترم الوعود والتعاقدات مع غير المسلمين.
ـ إذلال وإهانة العدو للنيل منه وإخضاعه.
ـ القضاء على الموارد لكي يستسلم العدو.
من بين هذه الأعمال الشنيعة التي قام بها ضد الأمازيغ: قطع أذنا لأمير قبيلة «ودان Weddan»؛ قطع أصابع لأمير «خاور Khawer» أذل وأهان أمير «جرما Jerma» حتى لا يتجرأ مرة أخرى على حمل السلاح ضد العرب. لحسن الحظ فإن هذه الانجازات وردت في النصوص العربية التاريخية التي تشيد بـ»عظمة» هذا المسلم الذي نقل الإيمان إلى المتوحشين. كم من «إنجازات» أخرى لم تذكر ولم تدون؟! هل يمكن القول بأنها انجازات أم جرائم حرب؟ هذه الشريعة أو(النظام)، الموروث من عقبة، لم ير العنصرية في شمال أفريقيا عندما سحبت الأمازيغية بافتخار من المدرسة، ومن وسائل الإعلام، ومن الإدارة ومن المؤسسات لأن الإساءة إلى الكيان الأمازيغي لم يكن عملا يفترض إدانته.
تذكرنا النصوص التاريخية «بالانجازات» الأخرى للمشرقي في شمال إفريقيا. ومن أجل دعم وتوطيد سمة «الصحابي عن طريق الولادة» تعليل إهانته وإذلاله للزعيم الأمازيغي كسيلة واتصف عقبة بكونه صاحب المعجزات:
أ ـ قدرة عقبة على التحدث مع الحيوانات
نسب إليه أنه كان يستطيع التحدث مع الحيوانات وأنه كان يحبها. ويعتقد أنه من خلال قيامه ببناء مدينة القيروان سنة 670 وسط تونس كقاعدة عسكرية للجيوش العربية الموجهة إلى الشمال والغرب طلب من الحيوانات الكائنة بالغابات المجاورة بإخلاء المكان حتى يتمكن من إحراق النواحي القريبة فغادر الأسد والغزال والطير في أمان.
ب ـ قدرته على الأحلام: «السامية»
حيث أنه يقدر على معرفة القبلة. وضعه حلم «سام» في اتصال مع الله الذي بين له اتجاه منارة القيروان. وسمع وفهم الصوت الذي بين له الموضع المناسب.
ج ـ قدرته على معاقبة المغاربي
وصفت هذه القدرة كثيرا في النصوص، ويتعلق الأمر بمشهد الخروف المذبوح. لدى عقبة حقد وضغينة في حق كسيلة وفي حق كل زعيم أمازيغي. وكان هذا الأخير زعيما أمازيغيا ذا تأثير واسع على قبائل شمال أفريقيا وساهم في نشر الإسلام. أسلم خلال حكم ابن المهاجر. مرة، أمر عقبة كسيلة بذبح الخرفان التي غنموها بعد انتصارهم على الأمازيغ، لكن هذا الأخير رأى في الأمر حسب النصوص، التاريخية، إهانة فرفض. وأرغمه عقبة على القيام بذلك مع المسح بيديه على لحيته بعد ذبحه لكل خروف الشيء الذي يعتبر تهديدا في الثقافة الأمازيغية. حذر ابن المهاجر، الذي يعرف الكثير عن التقاليد الامازيغية، عقبة من مغبة استهتاره، دون أن يعير هذا الأخير أي اهتمام لتحذيراته.
يبدو أن هناك ملاحظات وأسئلة يجب طرحها:
إن هذا النص غامض وغير منسجم إذ كيف يمكن لكسيلة تقييم عملية ذبح الأغنام في الوقت الذي قام فيه بمذبحة وسلب ونهب في حق ذوي جلدته بدون أي شعور بالذنب؟... إن الأمر، بالنسبة لنا، يتعلق بثورة ضد هيمنة العرب الذين لم يكن هدفهم سوى إذلال وإهانة العنصر الأمازيغي، الرد الفعلي الذي أتى على شكل إبادة منظمة.
بعد هذه الإهانة والإذلال التجأ كسيلة إلى الرومان واجتمع مع إمازيغن الآخرين الذين هم ضحايا أو أحسوا بظلم المشرقيين فهزموا عقبة وابن المهاجر في معركة وقعت سنة 683.(5) رغم أنه قضي على عقبة فإن عملية التعريب بالقوة والعنف استمرت. ويعتبر موت عقبة التي كثر ذكرها في الكتب المدرسية (رجل تقي قتله الخونة الأمازيغ!!!) الذنب الأول الذي أقدم عليه إمازيغن في خيال هذا المشرق المهيمن. وكفارة هذا الذنب عملية معلقة ودائما في الانتظار... إنه ذنب عظيم في حق سيد عربي من الواجب كفارته، وهذا الواجب ضروري وسائر المفعول إلى يومنا هذا.
وكان طارق بن زياد، الذي نظم حملة عسكرية سنة 711 في اتجاه شبه الجزيرة الإبيرية، أول من قام بهذه الكفارة (6). إنه النتيجة الأولى لعقدة عقبة: إنسان خاضع ومخلص يموت في خدمة العرب (الذين أعدموه في النهاية).
وأخيرا فإن عقبة لم يكن هو العامل في إسلام أي شمالي إفريقي، فهل يمكن لإيمازيغن قبوله كمخلص من الظلمات؟
3 ـ عقدة عقبة
يجسد عقبة التفوق العرقي للعرب في أفريقيا وإليه ترجع مسؤولية إذلال السكان الأصليين في المنطقة، هؤلاء الذين قاوموه ليس رفضا للإسلام، بل رفضا لهيمنة الغزاة. ونتج عن هذه السياسة التي اتسمت بالعنف إما المقاومة الكلية (ويكون هنا الأمازيغي المقاوم المناهض لهيمنة العرب ذلك الشخص الذي يرفض الإسلام ولا يستحق إلا الموت)، وإما القبول والرضا (وفي هذه الحالة فإن الأمازيغي يرى نفسه من السلالة العربية وبالتالي فإنه يمكن له استرداد مكانته باحتلال الصفوف الأولى في الجهاد) (رواية الجمان). وهناك مجموعة ثالثة وهي ستعاني أكثر من التعريب تتكون من إمازيغن المترددين بين النقطتين. ويشكل كسيلة خير مثال لهذه المجموعة. فهو قام ضد ذوي جلدته وبذلك قطع صلته بهم وبعد ذلك أباد الأتقياء المسلمين ففقد الجنة إلى الأبد. ومن هنا أتت تناقضات ومعاناة الإنسان الشمال الإفريقي التي من الصعب تجاوزها. هل هذه العقدة بمثابة «ظاهرة» في أفريقيا الشمالية؟
تصاب كل مجموعة بشرية تعرضت لصدمات نفسية بعقد نفسية إلى الأبد نتيجة حادثة تاريخية مؤثرة سلبيا على السلوك الجماعي، هذا السلوك الذي يرسخ كتابة فيما بعد تبعا لوجهة نظر سياسية معينة. لم ينفرد الغزو العربي بهذه الظاهرة بل ساهمت فيه كل الغزوات التي بترت إفريقيا. يوضح هذا الموروث التاريخي نوعية السلوك السياسي لإمازيغن الذين يخشون التعبير عما في أنفسهم وإلا فإنهم يقومون بذلك بشكل غير مباشر و( بلغة الغير). وبعبارة أخرى فإنهم يقعون في تعبير الغير آخذين بهوية غير طبيعية. هذا ليس تعبيرا عن النقص بل «التنقيص» كما لا يدل على أي إحساس تلقائي بذنب اقترفوه إلا أن تصرفات الغزاة تسعى إلى ترسيخ هذا الإحساس المرضي. إن هذه العقدة تحول دون القدرة على الاعتزاز بالنفس، وكنتيجة لهذه الصدمة فإن الأفريقي الشمالي يعيش واقعا متناقضا مع كيانه ويتجلى في كونه يرى «الأنا» كما لو كانت «ضد الأنا» وأن هذا الأخير جزء من هويته التعريفية، الشيء الذي يحول دون الاعتراف أو التعرف على كيانه. إن هذه العقدة تقف حجرة عثرة أمام كل محاولة في التواصل والتعبير والتدبير، وبالتالي فإنها تحدد العلاقات مع الآخر خاصة فيما يتعلق بالقضايا الخارجية. يعيش الأمازيغي نوعا من القلق والغم في علاقته مع ذوي جلدته خوفا من الفراق: يلومهم ويعاتبهم لتخليهم عنه لوحده ليواجه الخطر السائد.
وتتجلى هذه العقدة كذلك في الانشغالات اليومية حيث تستحوذ الأخبار المتعلقة بالحوادث «البعيدة»، خاصة في المشرق على اهتماماته وتنسيه المأساة المحلية التي يعيشها. والغريب في الأمر أن بعض مقالات بثينة شعبان تشيد بكل سذاجة بهذا الواقع. كما يتجلى الأثر السلبي لهذه العقدة لدى الأحزاب المغاربية التي تراجعت عن الاقتراحات الديموقراطية... تأملوا على سبيل المثال هذه المقولة الشهيرة: «لن تكون هناك ديموقراطية في العالم العربي طالما ظلت فلسطين محتلة»! وفي حياتنا اليومية المعاشة نلاحظ أن «أمغار» (الذي كان في الماضي المسؤول والحكيم والنير تحول بسبب هذه العقدة الأليفة الى «شيخ» أو»جراي» (المرشد، المتربص والمدبر لكل محاولة ديموقراطية) الخ...
نرى الخصائص المميزة لعقدة عقبة كما يلي:
ـ مشكل الهوية.
ـ التلنيش والعقاب الذاتي Auto lynchage et autopunition
ـ الحكم السلبي على الذات
ـ احتقار الذات
ـ البحث عن إرضاء الآخر أو التعلق به
ـ عدم إمكانية إبداء الرأي أو الرفض أمام الآخر.
ـ انعدام الشعور أو الإحساس عندما يتعلق الأمر بأمازيغية الفرد
ـ عدم وجود الأمان، الخ...
تظهر من خلال هذه الأحداث عقد مختلفة وأفكار غير معلنة تميز المجتمع «العربوفوني» في شمال أفريقيا. ويوظف إمازيغن هذه العقد بشكل جيد لكونها تشكل تهديدا لمقاومتهم! ويعتقدون أنهم سيبطلون مفعولها بهذه الطريقة لكن ليس على المستوى الرمزي.
عقد «مشرقية» أخرى تظهر بسهولة في «المغرب الكبير» وعلى أشكال مختلفة... لتصبح أسطورة تأسيسية. وهكذا يتطور نوع من التبادل بين هذين القطبين في خدمة العنف الهوياتي؛ فكسيلة ملعون في كتب التاريخ لكونه يمثل مقاومة وصدا لاغتصاب الهوية.
وهناك أسئلة كثيرة أخرى تتعلق بغزو العرب لأفريقيا الشمالية.
4 ـ أسطورة عقبة
ما مفهوم الأسطورة؟ يقول لفيس ستراوس Levis Strauss إن ما يميز الأسطورة هو أنه في حالة التعرض لمشكل ما يتدخل الخيال لإعطائه تفسيرا كما لو كان هذا المشكل كباقي المشاكل ا»لأخرى الكوسمولوجية، الذاتية، الأدبية، القانونية، الاجتماعية، الخ وإعطاء تعليل شامل للكل (7). تنتشر هذه في كل مكان مسببة للعنف تجاه كل ما هو أصلي. في الحقيقة هي عبارة عن رواية ذات طبيعة دينية تحكي عن أحدا ث بعيدة في تاريخ «الفتوحات»(Cool. يرى مرسيا إلياد Mercia Eliad أن الأسطورة كقصة مقدسة تحكي حادثة وقعت في زمن معين، رمز أسطوري «للبدايات»(9). لقد وقف الزمن الأمازيغي مع مجيء عقبة كما تغير الفضاء إذ قام الغازي بإعادة تشكيل الزمن لكي يلائم مساره المحدد الفريد(10) فأصبح هذا التصور للزمن يومية فريدة في أفريقيا الشمالية، هذا التصور لمرور الوقت الذي يرى بعين مشرقية.
يعتقد أنه من خلال هذه الأسطورة يمكن تجاوز التناقض بين المشرق المهيمن والمغرب المهيمن عليه. وهكذا ظهرت أسطورة سمو ورفعة المشرق وفي الوقت الذي ينتشر فيه الإسلام بين السكان الأصليين تتقلص الهوية وتنمحي وينتشر الأجنبي ويتأصل، فأصبح لمفهوم الهوية معنى آخر، حينئذ أصبحت جزءا من الأجنبي ومن العروبة مما أدى إلى ظهور «ديناميكي» لرموز أجنبية. إن حيوية هذه الأسطورة تجاوزت المادي الملموس إلى تصورات ميتافيزيقية وبالتالي فإنها كجزء من الحقيقة الميتافيزيقية يلقن للعالم. من الواضح أن «قدسية» هذه الأسطورة التي هي أقرب إلى العروبة منها إلى الإسلام تتسم بكونها نوعا من الاستثمار «الإيديولوجي» الغير المألوف أو الغير القابل للفهم.
لكون الأسطورة ذات طابع ثقافي فإنها تعرف من خلال الثقافة في أشكال مختلفة. وهنا يمكن تعريف عقدة عقبة على أنها إحساس لا شعوري تسير في بالإنسان مجرى الدم وتظهر في حركاته وسكناته الواعية أو اللاواعية. وهكذا فإنه بإمكان هذه الأسطورة تنظيم ومناقشة وتوطيد وعقلنة حياة الإنسان الشمال أفريقي اليومية. بما أنه ليس في أسطورة عقبة أي خطاب عقلاني فإنها تلتجئ إلى التعليل الغير الشرعي تاريخيا. وهذا شيء ضروري للعربي في شمال أفريقيا بحيث أن هذا التذكير أو التعليل «التاريخي» يخلق في السكان الأصليين الإحساس بضرورة الامتثال والخضوع المتواصلين؛ يمكن تقليدها، واستثمارها في خطاب يدعم شرعيتها. فكل عمل سلبي أو مدمر للأمازيغية يخرج إلى الواقع هذه العقدة القديمة المدفونة في اللاشعور، الشيء الذي يجدد ويقوي مفعول الأسطورة.
إذا كانت العقدة تفهم عن طريق مرجعيتها بالموضوع فإن تأثيرها يقع سواء على العربفوني أو الأمازيغفوني، وبالتالي فإنه يسهل التكييف مع هذه الفكرة نتيجة الحتميات اللاشعورية. ويصبح تكرار صنيع عقبة (التعريب بالقوة والتغريب) شيئا طبيعيا، منطقيا ولا جدال فيه. وجاء غزاة آخرون «ليعمقوا» هذا الصنيع أو العمل الذي قام به عقبة لكي يظهر تحت اسم «الولاة» (الطاعة للسلطان) مع موسى بن نصير و»تأسيس الدولة» وإدريس الأول. وأدت هذه الأسطورة إلى الإلغاء النهائي والفعلي لتصارع الأفكار بين القطبين المتباينين. هكذا كان عقبة المؤسس للفكرة الأسطورية «المغرب العربي» وأسس مدينة القيروان (ساحة الحرب) التي هي بالفعل حسب المفكرين أساس العالم المغاربي.
تجسد هذه الفكرة التأسيسية القوة الأبدية وتعطي المصداقية لمؤسسة «العقابية». إنها غير إنسانية وتخلق أعمالا «خيالية»، غير ممكنة أو غير منطقية. إنها تتهم: إنها تذكر باستمرار [إمازيغن «الخونة» و»المجرمين» مما يؤدي في بعض الأحيان إلى استثناءات في الكيان (11).
5 ـ هيمنة أسطورة عقبة التأسيسية
إن الماضي يشرح الحاضر. هل توجد مؤسسة في شمال أفريقيا تحمل اسم كسيلة أو الكاهنة؟ ساد هذا النوع من الفكر الأسطوري في كل مكان، ويمكن القول إن هذا النفي أو الغياب يشير إلى أنه في زمان ما، وقع تقارب عنيف بين المشرق والمغرب أدى إلى استمرارية الروح المشرقية في شمال أفريقيا على حساب الشمال أفريقي الذي ليس له إلا أن ينسلخ عن هويته الطبيعية.
يتجلى تأثير هذه العقلية الموروثة (التي تسعى إلى الإطاحة بالأمازيغية) على جميع الأشكال. إنها تجربة جماعية تتكرر بدون انقطاع. فالأحزاب السياسية والمؤسسات، والإدارة، والقوانين، والدستور، والمدارس... كلها قامت بالدرجة الأولى على هذا الأساس. إن القائد العربي يجسد بصفة عامة هذه الحقبة الأسطورية حيث يتم غرس العروبة بشكل ميكانيكي في بلدان شمال إفريقيا. وتم الخلط بين الانتماء العرقي والإرث الإسلامي الكوني، الشيء الذي منح المصداقية لتأديب كل ما هو أصلي وتبديله لكونه قاوم النظام الدخيل.
تستر التعريب مع عقبة وراء عملية نشر الإسلام وكان لهذه العملية دلالتان في العلاقة بين المشرق والمغرب، وهي دلالتا الحضور والغياب. يتجلى الحضور في تجسيد استمرارية تعريب الأفريقيين الشماليين، أما الغياب عندما يصبح هذا المشروع مستحيلا سياسيا كما هو الحال بما يسمى «وحدة المغرب العربي». ولكون تونس البلد الذي استقر فيه عقبة، فإنها البلد الأكثر تأثيرا بمشروع التعريب الذي أريد من خلاله تغيير طبيعته الحقيقية. يعتبر عقبة الرائد أو ممهد الطريق للتعريب في شمال أفريقيا. وتتطور هذه الأسطورة يوما بعد يوم وفي كل مكان. إنه عمل يتكرر بإلحاح ويتم عن طريق العنف. ويمكن القول بأن الغزوات الأولى (التي تشبه الحملات الصليبية!) بدأت في شمال أفريقيا إلا أن هذا لم تعترف به كتب التاريخ. لقد تقاتل المسيحيون والمسلمون فيما بينهم على إمازيغن مما جعل هؤلاء ينسون أنفسهم باستثناء الرحل منهم الذين حافظوا على الهوية الأمازيغية الحرة الكاملة ولم يقدر على إخضاعهم المسيحيون ولا المسلمون. وحتى الكنيسة القوية المتأثرة بكتابات وأفكار الأسقف الأمازيغي سان أوكيستان Saint Augustin لم يكن لها تأثير كامل على السكان الأصليين الذين انجذبوا نحو الدوناتية donatisme . ومن جهة أخرى فإن مجيء عقبة العنيف المتشدد الذي كان مستمرا في الخيانة وبتر وتقطيع أنوف وآذان وأصابع إمازيغن لم يتمكن من النيل منهم: لقد اختار الأفريقيون الشماليون المذهب الخارجي.
يعتبر كل من يريد إظهار الحقيقة في شمال أفريقيا في هذه الأيام على أنه ضد الإسلام: كمحاولة لتأسيس حزب سياسي يدافع عن تراث إمازيغن، الدفاع عن حق التعبير بتمازيغت، ترجمة القرآن إلى اللغة الأم لإمازيغن، التحدث عن الهجوم المتوحش العربي وتهميش السكان الصليبيين الخ...
هذا الرفض لرؤية الحقيقة موروث منذ عهد عقبة المعرب والرافض للاختلاف. لقد شاد الجميع بالخطاب العروبي للأحزاب السياسية وجمعيات حقوق الإنسان وطبقة الانتلجانسيا (المفكرين)، هذا الخطاب الذي هو وليد الأحداث البعيدة والقريبة أثناء الغزو»العقابي». – إن التكفير عن الخطر بالنسبة لهم ضروري – يجب تزوير الحقائق وتزويد الناس بالأكاذيب لاستمالتهم- ظهور مشهد يبين عرقين متباينين، عرق راق ومتفوق وآخر عكس ذلك: الأول أقحم نفسه للقيادة (أي للسيطرة والهيمنة) - وادعاء وكذب في زي الحقيقة من ورائه جعل الآخر ينفي نفسه وينبذها لكونها مصدر الضلال. أما غيره فهو الجنة. هذه هي المعادلة المؤسسة للواقع. – بالتالي فإن أسطورة عقبة، هذه الأزمة المفتوحة على الغرب (وبالدرجة الأولى على شمال أفريقيا وفي هذه الأيام على أوربا وأمريكا) استمرت في تصاعدها الحلزوني، إنها بين «هنا» الجهنمي و»هناك» الفردوسي... يبدو أن الإيمان لا يضمن وحده كما تضمن اللغة هذا السفر أو الرحلة من «هنا» إلى»هناك»، من الجحيم الدنيوي إلى الجنة الأخروية التي طالما يحتاج إليها الملعونون.
في الختام
ربما كان هذا النص حول اللقاء بين المشرق والمغرب واقعيا أو كما قال كلود ليفي ستراوس «مرآة مكبرة» (أنظر خاتمة La potière jalouse) لأن الضرورة تدعو المشارقة الغزاة إلى نفي وجود المدائن، والأشراف والأسواق ولو كانت موجودة في الواقع من أجل إضفاء الشرعية على عملية الاحتلال والدمار. إذن فإن المشرقي يريد تأسيس مدينته بتعيين أشرافه واستغلال الأسواق المغاربية وإعادة البناء حسب نظرته. لم يكن قصدنا لندعو إلى ضرورة تعميم هذا التعريف»التاريخي» كشرح ملائم لشخصية «الشمال الإفريقي». ومع ذلك فإن السعادة الكاملة لشعب ما، مشرقيا كان أم مغاربيا، تكمن في عدم الجهل بنفسه. نحاول مراجعة التاريخ وإعادة النظر فيه لنقول إن العرب لم يكونوا محررين. إنهم اعتبروا شمال أفريقيا خالية، بل لم يكن في عادتهم محاولة فهم هذا العالم العاري في نظرهم الشمولي.
يجب رؤية البداية مع مجيء عقبة: قبله كانت شمال أفريقيا في فوضى لامتناهية!!! يعتبر وصوله بداية لتواصل حقيقي خاصة ذو أصل لغوي. ولنتذكر من أعماله تلك التي يطغى عليها العنف والقهر... لماذا لا يمكن لنا التحدث في هذا الموضوع بالإمبريالية اللغوية العربية في شمال إفريقيا كما نتحدث بالإمبريالية اللغوية الأوروبية في أمريكا؟ وأخيرا، لهذا الإرث المتعلق بأسطورة عقبة دور في تحريم ومراقبة كل إرادة في شمال أفريقيا تسعى إلى الاعتراف بذاتها، واكتشاف هويتها وفي تولية المشرق كسيد شرعي على عالم تنتهي حدوده على المحيط الأطلسي.
الإحالات:
(1).أبوعباس الناصري، الاستقصاء، مجلد1 دار الكتاب، الدار البيضاء، 1997 ص: 130
(2).Cicéron, de Har. Resp
(3).تعتبر»الجزية» هم الغزاة العرب الوحيد قبل الاهتمام بنشر الإسلام نفسه فلقد أمر سكان برقة الليبية (22هجرية) بتأدية جزية ولوان ذلك سيقتضي بيع أولادهم وبعد ذلك فرضت على إمازيغن توات، وهكذا... وبإسلامه فإن الأمازيغي لم يود هذه الجزية الثقيلة ولم يتعرض لأي اعتداءات جسدية ولكنه لن يعرف الإسلام إلا بمقابل ضريبة نقدية.
(4).السيوطي، «تاريخ الخلفاء» ص:221
نذكر هنا من بين العديد من الاعترافات السلاطين ما قاله عبد الملك بن مروان (كل من يرغب أن يأخذ جارية للمتعة فليختر بربرية، كل من يرغب أن يختار جارية للإنجاب فعليه أن يختار فارسية، وكل من يرغب في جارية لمزاولة الأعمال فعليه أن يختار مسيحية)
(5).يمكننا إضافة هذه الأحداث في سنة 683 قام كسيلة بطرد الجيوش العربية من أفريقيا دون أن يعتدي على المسلمين بما في ذلك الأسرى (أطفال، نساء، وشيوخ) بل أمنهم. توفي سنة 686 في معركة ضد العرب قاومت الكاهنة (تهية) الغزاة بعد كسيلة وتوفيت في معركة ضدهم سنة 695. ويقال حسب النصوص التاريخية أنها سلمت أطفالها للغزاة!!!! وفي سنة 704 نهج موسى بن نصير سياسة أخرى في افريقيا الشمالية وهي «الولاء» وهي السياسة المتبعة الى الآن.
(6).انتهى نشر الإسلام في شمال أفريقيا في القرن الحادي عشر الا أن عملية التعريب استمرت بدون أية نتيجة (منذ اجتياح قبائل بني هلال ويني سليم) حدد الكثير من كتب التاريخ في 150000 عدد العرب في القرنين السابع والثامن خلال الاجتياحات الأولى وفي 200000 الهلاليين الذين أتوا من العربية خلال القرن الثامن.
(7).Claude Levis Strauss et Didier Eribon, De prés et de loin, Edition Odile Jacob, Paris,1988,p.194
(Cool.أصل كلمة mythe أسطورة من الفعل الإغريقي «muthein» (يتكلم، يتحدث) ومن الاسم «muthos» الذي يعني الكلام وبعد ذلك الحكاية المتواترة.
(9).Mercea Eliad, le mythe de l’éternel retour, Gallimard, Paris, 1969
(10).كانت السنة الأمازيغية قبل الاجتياحات والغزوات في انسجام مع طبيعة الشمال الأفريقية (أنظرM.P Nilson, Primitive Time Reckonning,Lund, 1929,)
(11).في حالة ما أرغم إمازيغن على اعتناق أساليب خارجية فإنهم يلتجأون الى التشدد ك: «الدوناتيزم» Donatisme في تعاملهم مع المسيحيين أوو»الخارجيزم» (مذهب الخوارج) ضد المسلمين المضطهدين...

http://numidia.ahlamuntada.com

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى