NUMiDIA نوميديا
NUMiDIA نوميديا

منتدى ثقافي فكري حواري

.... لقد تمّ حذف مادّة مهمّة من ساحة : أضف كلمة أمازيغية فهل يوجد من بين اعضاء المنتدى من يحتفظ بها
--------- Tfaska n'wen d'tameggast عيد سعيد
أهلا === azul كيف حالك ?=== ?manzakin ماذا تفعل ? === ? matta hetteggd أين تذهب ? === ? mani tild أين أنت ? === ? mani hellid ما بك ؟ === ?matta chyughn عفوا === asorf الى اللقاء === ar timlilit من فضلك === igh as tufit سنة سعيدة === asggas ighodan شكرا === tanmmirt صباح الخير === tifawin ليلة سعيدة === timnsiwin إلى اللقاء === ar tufat تشرفنا بمعرفتك === s waddur tusna nk جيد === iyfoulki مرحبا بكم === ansof iswn إلى وقت آخر === ar tiklit yadn

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

Problématique identitaire en Algérie

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 Problématique identitaire en Algérie في الأحد ديسمبر 26, 2010 9:23 pm

kahéna

avatar
أقلدون A Gildun
أشكلة الهوية في الجزائر بين الأمزغة و العوربة و العولمة
رؤية تاريخية إستشرافية لظاهرة العنف في الجزائر
أ. محفوظ رمـوم


المدخـل:
إن مشكل من أنا يدل على مدا عدم قدرة الفرد على التعامل مع الأنا الحالي عبر الأنا التاريخي المتراكم، ورغم أن هذا السؤال مشروع مبدأ، إلا أنه مدعاة لإشكالية طبعت المجتمع الجزائري في الوقت الحاضر، وتستمد خلفيتها مما مر بالمنطقة من أحداث التاريخ.
إن التساؤل المركزي الذي تتأسس حوله أشكلة الهوية هو: كيف يمكن إعادة بناء تصور لطريقة تفكير مجتمعنا في وقت معين في نظرته للذات وللأنا ، وذلك بإعادة قراءة التاريخ بواسطة شبكة جديدة للفهم، ترتكز على مغايرة القوالب الجاهزة والمؤسطرة سلفا.
نحاول في هذه الورقة البحثية طرح صيغ جديدة لإيجاد مخرج للمشكل، من خلال البحث في العوامل المؤسسة لهوية الأمة الجزائرية بأبعادها التاريخية والدينية، لتحديد البدايات الأولى لأشكلة الهوية، و ذلك عندما أختزلت الهوية في الأسلمة والعوربة ثم العولمة، مما سمح بتفكيك الصبغة الإثنية والفيليلوجية لهويتنا، و أدى إلى ظاهرة العنف المجتمعي الذي نعيشه منذ الاستقلال.
و لما كانت منطلقات هذا العمل هو محاولة الفهم والتفسير، فإننا لجأنا إلى استعارة مفاهيم كلية وحداثية لتحويل النص الخالي من المعنى و المعقولية إلى معان وعلاقات مفهومة، ومن هذه المعاني: الأشكلة[1] والأمزغة[2]والعوربة[3] والعولمة، وهي مفاتيح مستعارة لتسهيل القراءة التاريخية بأكثر واقعية.
ولرصد ظاهرة الأشكلة التي لحقت هويتنا، رأينا تناول الموضوع في جملة العناصر التالية: أولا-التعدد الثقافي في الجزائر و أبعاد الهوية الجزائرية.
1-عوامل تشكل هويتنا.
2- هويتنا بين الأمزغة وتحديات العوربة.
ثانيا-أشكلة الهوية الجزائرية.
1-تفكك الصبغة الإثنية للهوية الجزائرية.
2-تفكك الصبغة الفيلولوجية للهوية الجزائرية.
ثالثا: هويتنا وتحديات العولمة.
أولا-التعدد الثقافي في الجزائر و أبعاد الهوية الجزائرية:
إن التنوع الثقافي يولد أنماطا ثقافية عامة وأخرى فرعية، و لكن ضمن ترابط السمات الثقافية التي تؤدي آليا إلى ظهور نمط ثقافي يستوعب الكل،[4] و يكون وعاءه المشكل لهوية المجتمع. ومن ثم يصبح من الضروري معرفة مدا التفاعل العضوي الذي يقيمه المجتمع والثقافة، للوصول إلى معرفة الأبعاد و الخلفيات المشكلة للهوية التاريخية كمقدمة للهوية الثقافية التي نحن بصدد البحث فيها.
1-عوامل تشكل هويتنا:[5]
لم يكن لأي عامل ، مهما كانت أهميته، الأثر الكبير كالذي يخلفه التاريخ في تشكيل الهوية ، فمجتمع بلا تاريخ مجتمع بلا حاضر ولا مستقبل، أي بلا هوية تارخية، بل أن التاريخ نفسه هو الأنا الذي ترتكز عليه الهوية، ومن ثم فهو أشبه بالأساس في البناء ، ولا يماثله الدين في ذلك نهائيا، كون الأخير، و إن كان رافدا لهوية مجتمع ما، إلا أنه لا يشبع غريزة الأنا التي جبل عليها الإنسان.
إن تاريخ الأمة الجزائرية من تاريخ الأمة الأمازيغية الضاربة في أعماق تاريخ منطقة شمال إفريقيا، ذلك التاريخ الذي صنعه أجدادنا من ماسينسا إلى يوغرطة، وخلقوا مجدا مثلته دولة النوميديين، وترجمه سانت أوغسطين في مؤلفاته الفلسفية الكبرى..
لقد استطاعت هذه الحضارة أن تستوعب الكل وتحافظ على هوية شمال إفريقيا رغم محاولات الغزاة التي تحطمت على أسوار هذه الأمة فمن الفنقيين إلى الرومان ثم الوندال فالبزنطيين فالعرب والترك والفرنسين كلهم مروا من هنا، لكن الأمة الأمازيغية استوعبت ولم تستوعب، وحوت ولم تحتوى، وبذلك حق للمؤرخين أن يقولوا أن شمال إفريقيا ملتقى الحضارات، والوعاء التاريخي الذي جمع مختلف الثقافات، دون أن يؤثر ذلك على هويته الثقافية والاجتماعية، بل شكل ذلك رافدا و إضافة لم تعرفها بقية المجتمعات.
لعبت ثقافة القتال دورها في صهر عناصر المجتمع الجزائري، إذ الشعور بالخطر يسهل بعث كوامن الوحدة، كما أن عناصر المجتمع الجزائري ورثت رصيدا تاريخيا عن فكرة المقاومة، بل أن ساكنوا المنطقة عرفوا أنفسهم بالأمازيغ أي الأحرار، فردد التاريخ أسماء بعينها ماسينسا ويوغرطة والكاهنة وكسيلة وطارق بن زياد وبلكين بن زيري وسالم الثعالبي وابن القاضي والأمير عبد القادر ولالا فاطمة نسومر والعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد، وهي أسماء لمحاربين ومقاتلين، لم يدخلوا التاريخ إلا لأنهم حرروا الجغرافيا المكان و التاريخ من الاحتلال.[6]
كذلك لعب الدين دورا وعاملا مهما في تشكل الهوية الدينية في الجزائر ذلك أن العقيدة الإسلامية ألفت قوة موحدة بين مختلف التجمعات العرقية، التي كانت هي بدورها تؤثر فيها، وقد ساعدها في ذلك ابتعادها عن أن تكون عنصر صراع و تضاد ، مفتت للبنى المؤثرة والمتداخلة، مما أوجد ثقافة إسلامية، جامعة ابتعدت عن الصراع الثقافيle conflit [7]culturel إلى حين..
تعرض المجتمع الجزائري طيلة تاريخه الإسلامي للصراع الطائفي )السنة الشيعة الخوارج…(، لكن ليس بنفس الحدة التي كانت في بلاد المشرق مثلا، ما عدا في القرون الأولى التي تلت دخول الإسلام حيث تشكلت دول على أساس مذهبي )الرستميين-العبيديين…(، مما قلل حدة المواجهة داخل المجتمع، فالتعدد الديني كان و لا يزال محسوما في أغلب فتراته لصالح الإسلام السني المالكي، ومن ثم فإن الهوية اشتغلت، على مستوى الدين، بنوع من التفاعل والأريحية، ومن ثم شكل الإسلام الأول، كدين منفتح وقادر على الاستيعاب والتأثير في الأفكار، حضورا مهما سهل المثاقفة، وذلك بسبب قدرته على التغير دائما بحسب نوعية الفئات الإثنية والثقافية، وهو ما أفرز الإسلام الشعبي الذي كان يضم مختلف العناصر و المستويات حيث أصبحت الأيديولوجية الشعبية عاملا على توحيد الخط العام للمجتمع.[8]
كانت السلطة الحاكمة في الجزائر، قبل الاستقلال، في معظم الفترات التاريخية منفتحة على التعدد الإثنوثقافي نسبيا، ما مكنها من التعامل مع هذا الكل دون عقدة، بل أن الاعتراف بالكل كان عامل استحقاق و جاذبية للكثير من الهجرات،[9] مما سهل عليها استيعاب هذا الزخم. كما أن الطبيعة العلمانية للدولة، على اختلاف أراء المؤيدين و المعارضين، كانت تقنيا عاملا وحدويا جامعا..
لقد ساعد عامل ابتعاد معظم المجموعات العرقية في الجزائر، عن الطموح السياسي، على سلبيته، انتفاء التصادم على مستوى هرم السلطة في كثير من الأحيان، مما شجع الروابط الداخلية وبدد الاحتكاك السياسي و أقصره على الاحتكاك السوسيوثقافي.
كما أن الجهاز البيروقراطي أفقد المثقف الجزائري دوره الثقافي، و الذي لم يعد متفرغا لإنتاج سلطة الأفكار، بقدر سعيه للحفاظ على امتيازاته، وهذا ما قلل مواجهته للسلطة السياسية، الذي ظلت تهابه باعتباره قادرا على تشخيص الواقع وتفكيكه و إعادة بناء أنماطه وهويته.
2– هويتنا بين الأمزغة وتحديات العوربة:
ساعدت العوامل السابقة الذكر المجتمع الجزائري على تفادي أشكلة هويته بعد دخول الإسلام، لكن هذا التفادي كان إلى حين، وقبل أن يصل الأمر إلى ما هو عليه اليوم من تعقيدات، فإن الهوية في الجزائر أصبحت إشكالا عندما أصبح التمايز اللغوي يلقي بظلاله على المنطقة ، هذا التمايز الذي يعتبره جاك بارك ” استمرارا تاريخيا ألقى بظلاله على التحولات الروحية و الدينية في المنطقة بربر-عرب/ حضر- بدو/ سنة خوارج”[10]. فالإسلام، الذي أصبح إبستيمولوجيا من المسلمات، صبغ المنطقة بروح الحضارة الإسلامية التي اكتسحت الإنسان والجغرافيا، إلا أنه فتح المنطقة على المذاهب الأيديولوجية والثنائيات الضدية التي أصبحت تعاني منها المنطقة منذ تلك الفترة، ومن ثم أصبحت منطقة شمال إفريقيا منذ تلك الفترة و باستمرار، أرض البحث عن هوية الذات أو عن الأنا في مواجهة الآخر.
بدأت عملية الاستعراب كما هو معلوم في القرن التاسع الميلادي، حيث أصبحت العربية لغة الثقافة ولغة البلاطات السياسية، ولكن لا يفوتنا الأمر أن الهجرة الهلالية التي صحبت حركة الاستعراب كانت نكبة شنيعة يسرت إخضاع المنطقة للثقافة العربية، ولكن في نفس الوقت شكلت انهيارا للبلاد لم تنهض منه، ورغم أن المنطقة تجاوزت الصراع العسكري بين البربر و القبائل الهلالية، إلى أن باب الصراع الثقافي بين الثقافتتين الأمازيغية و العربية فتح على مصراعيه، ولو أن الطابع الديني الذي طبع صراع الثقافين سمح للثقافة العربية بهيكلة علمية أكثر تنظيما في المؤسسات و المعاهد والمدارس العليا.[11] بينما ظلت الثقافة الأمازيغية يغلب عليها التقليد وعدم التجديد في المناهج والمؤسسات، مما جعل عملية الاستعراب ممكنة، عكس ما حدث في بلاد فارس وبلاد الترك، حيث تم أسلمة هذه الحضارات دون أن تتعرب، فحافظت هذه الحضارات على هويتها في مواجهة الهوية العربية، عكس ما حدث عندنا في شمال إفريقيا، ومن ثم بدأت أشكلة الهوية تبرز في منطقتنا، بسبب حالة الاستعراب التي لبست عباءة نشر الدين الإسلامي، واختفت في جلبابه.
المعروف أن البربر تعاملوا بمحاكاتية مع الشعوب التي عبرت المنطقة، وهذا ما دفع الكثير من الباحثين إلى اعتبار ثقافة شمال إفريقيا خلاصة لثقافات متوسطية ( فينيقية-إغريقية-رومانية)، وهذا دليل آخر وتعبير صريح عن قدرة الثقافة الأمازيغية وإمكانياتها في احتواء الثقافات العابرة، لكن الأمر اختلف مع حضارة تحمل دينا جديدا، ولذلك فإن طلائع العرب رغم أنها لم تستطع التأثير إثنيا على بربرية شمال إفريقيا ، إلا أنها حضاريا ولغويا زحزحت البنى..
وتفسير ذلك حسب ما يدعي عثمان سعدي، أن “السامية الجنسية و اللغوية هي المرجع الكفيل بإعطاء تفسيرات منطقية لكل ما حدث”[12] محاولا بذلك تذويب الهوية الأمازيغية في الهوية العربية، وجعل الأولى ملحقة بالثانية، وقد برز ذلك بوضوح في عنوان كتابه ” عروبة الجزائر عبر التاريخ” مما يوحي بفكر عروبي متطرف لا يكتفي بتجاوز الواقع فحسب، و إنما بمغالطة التاريخ ذاته و إلا فهل يقبل الأستاذ عثمان وتياره أن يرى كتابا تحت عنوان “أمازيغية شبه الجزيرة العربية عبر التاريخ” ؟. الأكيد أنه سيعتبرنا في عداد الهراطقة.
إن أقوى الدراسات و أكثرها علمية توصلت إلى الحامية الجنسية للأمازيغ، كما أن الهوية الأمازيغية ظلت صامدة أمام كبرى الحضارات وأقواها عبر التاريخ البشري. إن الإسلام كفيل بإعطاء تفسير جزئي مقبول لما حدث، ولكن ليس بمعزل عن الظروف التاريخية التي سادت المنطقة خلال القرن التاسع الميلادي، حيث أن الحضارة الأمازيغية، بحكم موقعها، كان قد أصابها التقهقر بسبب حالة الصراع التي قادتها ضد الحضارات المتوالية على المنطقة، بينما كانت الحضارة الإسلامية حديثة التكوين ولم يمر على نشأتها سوى بضعة قرون، مما سمح بهيمنتها.
إن ظاهرة العوربة القسرية التي بدأت بعد القرن التاسع الميلادي، والتي عوضت ظاهرة الأسلمة، هي علة الإنهيار، التي ولدت إشكال الهوية في منطقتنا بما لم يسبق و أن حدث في تاريخنا، واستمر الإشكال يستشكل مع الوجود الفرنسي حتى أصبح أشكلة أغفلت حقيقة هذه الإشكالية المفتعلة كون هويتنا تاريخيا واضحة، ولا يعني ذلك بحال أن ننكر هويتنا الإسلامية، ولكن غير ممكن أن نتحدث فقط عن أسلافنا البربر[13] كما يذهب إلى ذلك المؤرخ محفوظ قداش، فما هو أكيد أننا أمازيغ أسلمنا الإسلام، ولسنا أمازيغ عربنا الإسلام، لأن الظاهرة العرقية لا تستطيع أن تعوض بظاهرة لغوية.
ثانيا-أشكلة الهوية الجزائرية:
ترتكز هوية مجتمع ما على صبغته الإثنوفيليلوجية) الإثنية واللغوية(، وعليه فإنه لا يمكن لمجتمعنا أن يفصل خلافاته في ما يخص هويته، إلا إذا ناقش المشكلة العرقية واللغوية بأكثر شفافية عن ذي قبل، ولايكفي في ذلك استخدام المصطلحات العامة أو تعويم تلك المصطلحات في مفاهيم ملتبسة. وتكمن أهمية هذه المصارحة في كونها متعلقة بالذات، التي لا تقبل الغموض، فهي تشترط الوضوح الذي لا يقبل الشك، فالأنا عندما يطرح السؤال لا يحتاج إلا لمعنى منتهي، وإلا فإنه يظل يبحث ويتساءل، كما نفعل نحن اليوم في السؤال الذي يتردد صداه عند كل جزائري: هل نحن أمازيغ أم عرب؟.
1-تفكك الصبغة الإثنية للهوية الجزائرية:
تعرضت منطقة شمال إفريقيا- وضمنها الجزائر- عبر العصور لهجرات عديدة، ومن ثم كان على المجتمع الأمازيغي أن يتفاعل مع تلك الهجرات سلبا و إيجابا.
لم تكن أي هجرة من تلك التي حدثت سواء التي قادها الكنعانيون أو الآريون بقادرة على زحزحة البنى العرقية للمجتمع الجزائري، ولكن هذا العجز لا يعني أننا بصدد إمكانية الحديث عن مجتمع وجماعات صافية لم تتغير، وإنما الأكيد أنه حدث ابتلاع للأعراق الوافدة من طرف العرق الأصلي في المنطقة، ومن ثم ظلت هوية شمال إفريقيا غير قابلة للنقاش باعتبارها هوية أمازيغية.
استمر الوضع إلى غاية وصول الإسلام عن طريق العرب، ومن هنا بدأت الهجرات العربية بطيئة ولم تطرح الإشكالية إلى غاية القرن التاسع الميلادي، حيث بدأت الهجرة الهلالية، أين أخد الاختلاط بين الأمازيغ والعرب شكلا متسارعا، بدليل أن ابن خلدون تحدث في القرن الخامس عشر الميلادي عن بطون عربية اختلطت بقبائل هوارة الأمازيغية، و عن قبائل أمازيغية وجدت نفسها في عداد قبائل بنو سليم العربية.[14] وهي نماذج لبعض حالات الامتزاج التي وقعت، دون أن يعني ذلك تعميما للصورة، بدليل أن ملاحظات ابن خلدون جاءت بعد قرون من الهجرة الهلالية، ما يعني أن الامتزاج بين العنصرين ظل يشتغل بطرق بطيئة، كما أن الدول و الأنظمة السياسية التي قامت في بلاد المغرب في الفترة الإسلامية نشأت على كاهل القبائل الأمازيغية بداية بالرستميين والأغالية والزيريين والحماديين و مرورا بالمرابطين والموحدين ووصولا للزيانيين والحفصيين.
وهذا ما ينفي ما ذهب إليه إيف لاكوست الذي يرى:[15] أن القبائل المستعربة هي من قبائل المخزن البربرية ضد قبائل البربر الرعية، بسبب العلاقات الوثيقة مع المدن والبلاطات الملكية باعتبارها مركز انتشار العربية. ما يعني أنه لم يقرأ جيدا أصول الدول الإسلامية التي قامت في تلك الفترة، و التي كانت كلها ذات أصول بربرية، وهو في ذلك يخلط بين الجانب الإثني والفيليلوجي.
ويندرج ضمن هذا الخلط ما ذهب إليه أحمد بن نعمان عندما يكتب قائلا:” لقد ذاب العرب عرقيا في العنصر البربري، وانصهر البربر ثقافيا في العرب بحكم العقيدة و اللغة”[16] حيث نلاحظ محاولة للقفز على الواقع و الخلط بين إسلام البربر من جهة، واستخدامهم العربية كلغة من جهة أخرى، فكل ذلك لا يعني أنهم استعربوا و أصبحوا عربا بالعرق، فهل أصبح الجزائريون غاليين عندما استخدموا اللغة الفرنسية ولا زالوا؟..
كما أن مثل هذه الأطروحات التي تحاول القفز على الحقائق كما هي في الواقع تكذبها أشكلة الهوية في واقعنا الحالي، بدليل الصراعات الموجودة والتي تعبر صراحة عن نفسها من خلال مشاريع المجتمع، بل أقول أننا من بين المجتمعات القليلة في القرن الواحد والعشرين التي لا زالت تعاني أشكلة في هويتها.
بدأت أشكلة الهوية في الجزائر فعليا في القرن السادس عشر الميلادي، بتحول السلطة السياسية من يد القبائل البربرية إلى الأتراك، فرغم أن هؤلاء كانوا إثنيا على هامش المجتمع بسبب طبيعتهم الاستعلائية، فإن زواجهم الإندوجامي لم يمنع تسربهم الإثني الذي أثمر ما اصطلح على تسميتهم الكراغلة، ومن ثم أصبح مجتمعنا أمام استعارة كلاسيكية توحي بصورة الفسيفساء للتعبير عن حركة إثنوثقافية، على الرغم أن ذلك لم يكن ليلاحظ لأسباب اجتماعية واقتصادية وعسكرية، حيث استمرت تلك الفسيفسائية تتكون من عناصر في منتهى الدقة ، وتنتمي برغم كثرة عددها إلى سلم واحد يتشكل من الأسماء الكبرى التي تتخلل تاريخ المنطقة.[17]
ظلت أشكلة الهوية في الجزائر تتعمق طيلة الحكم التركي، ولم تكن المجموعات السياسية والعرقية لتنتبه إلى ما يحدث ثقافيا واجتماعيا، بسب انغماس الكل في الأحداث العسكرية وظاهرة الجهاد التي وحدت الكل بربرا وعربا وتركا لصد الخطر الأوروبي. ولكن الأكيد أن الكل كان يساهم في هذا التعميق الذي ظل ينحت في صورة الهوية الثابتة ويتجه بها نحو الهوية الضائعة، وزادت فترة الاستعمار الفرنسي الأمر أشكلة وأصبح أكثر حدة وعمقا، حيث ركزت الدراسات التاريخية على سياسة التفريق العرقي، التي صورت المجتمع الجزائري و كأنه بناء اجتماعي يتحول إلى تجمع طارئ مفكك على رأي الأنثربولوجيين.[18]
تلقفت هذه الدراسات النخب الجزائرية إبان الاحتلال سواء تلك المثقفة ثقافة فرنسية أو تللك المثقفة ثقافة محافظة، وأصبحت كتاباتهم سجالا، وتبادل الطرفان السباب والشتائم و القذف على صفحات الكتب والجرائد، ووصم كل طرف خصومه بشتى النعوت، ورماه بالتخلف والتأخر و الانحلال و الانسلاخ عن الذات، ولكن القذف كان يحمل وراءه صراع الهوية بين البربر والعرب ودعاة الأسلمة كحل وسط، وكتب ابن باديس يتحدث عن أصوله الأمازيغية الصنهاجية التي عربها الإسلام.
خفت صراع الهوية في الجزائر أيام الثورة التحريرية على عادة الجزائريين، حيث فكرة الجهاد أصبحت عنوانا للهوية، إلا أن ذلك كان مؤقتا، فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى اشتعلت حرب الهوية تحت غطاء سياسي فيما عرف بأزمة صائفة 1962، التي ظهرت حقيقتها عندما بسط تيار العروبين، المؤيدين من طرف مصر الناصرية، هيمنته على السياسة والتاريخ والثقافة، واشتدت أكثر عندما بدأت سياسة استيراد الثقافة المشرقية التي لم تتوقف إلا بعد عقود، عندما بدأ تيار جزأرة الفكر والثقافة يتمدد في إطاره الطبيعي.
استمرت التلاعبات بين الأشخاص و المجموعات حول السلطة في الجزائر تستغل مطالب الهوية، واستمر معها استخدام الممارسة الدينية و اللغة لأغراض سياسية، وعملت السلطة ذات البعد العسكري على تذكية الصراع بين البربر والعرب، بين المحافظين والعلمانيين، بين اليساريين والليبيراليين، بين المفرنسين والمعربين، والتي كانت تخفي وراءها صراع الهوية، وبدل أن تطرح السلطة حوارا فكريا جاد لمعالجة المشكل، لجات إلى توليد وتغليب الخطاب الشعبوي و الإقتصاد الريعي، وتبخرت آمال بناء الدولة الحديثة بمنهج ديموقراطي يستوعب الجميع، وأغلق باب مناقشة الملفات الكبرى و على رأسها مشكل الهوية، ” فاستخدمت الخصوصيات ومنها المطلب الأمازيغي، الحي جدا والمترسخ في العمق، وكذلك تسيس الإسلام و التعريب، لتغذية خصومات الأشخاص و النزاعات السياسية، وفي لحظات التأزم، في الجزائر كما في سواها، تقوم مشاعر الانطواء على الهوية والتضامنات المحلية، بجعلها تنطوي بكل وضوح على مظاهر المعطيات الموضوعية والبنيوية”.[19]
2-تفكك الصبغة الفيلولوجية للهوية الجزائرية:
في أي مجتمع متعدد الأعراق فإن السؤال الأكثر ترديدا عن اللغة المستعملة، و إذا كنا لا نختلف في كون أن لغة الثقافة اليوم هي العربية باعتبارات رسمية سلطوية فإن واقع الحال يؤكد خلاف ذلك.
و الحقيقة أن تفكك الصبغة الفيليلوجية للجزائر قد بدأت ملامحه أيام الوجود التركي، إذ فرضت التركية رسميا في المراسلات اليومية، ومن ثم بدأ التهميش المنظم للغة الأمازيغية والعربية على حد سواء، وكان الهدف من ذلك محاولة التتريك لخلق هوية تركية بديلة للمجتمع الجزائري، لكن العملية باءت بالفشل وذلك لأسباب ديموغرافية..
فالأتراك كانوا أقلية كما أن الإمداد بالعرق التركي قد توقف عندما ألغى السلطان العثماني حق أتراك الجزائر في تجنيد المجندين من الأناضول والروملي، ومن ثم انحصر وجود الثقافة التركية و أقصرها على الطبقة الحاكمة المنقطعة عن الأغلبية البربرية وكدا عن التجمعات العربية..
كما أن وجود الكراغلة المتزايد لم يكن قادرا على تتريك المجتمع الجزائري، كونهم أنفسهم كانوا يعانون تهميش آبائهم، كما أن وجودهم اقتصر على المدن الكبرى التي لم تكن تستوعب أنذاك سوى 6 % من إجمالي سكان الجزائر الذين كان غالبيتهم ريفيون. لكل ذلك فشل مشروع التتريك، أو مشروع فرض الهوية التركية، و الذي حدث هو بروز ملامح مجتمع غير واضح لغويا، فهو يتحدث الأمازيغية يوميا ويكتب ثقافته بالعربية وسلطته الرسمية تستخدم التركية.
إن هذه الوضعية تفاقمت أكثر بعد 1830 فقد ذهبت التركية بلا رجعة، ما يدل على أنها لم تكن واقعا، وهمشت الأمازيغية والعربية في كانتونات جغرافية وعرقية، ولم تتمكن الفرنسية من استيعاب هذا الفسيفساء بسبب سياسة التجهيل والسياسة التعليمية الفرنسية التي ركزت على طمس معالم الشخصية الجزائرية المستقلة، ومن ثم انهارت مرتكزات الهوية عند الجزائرين، فالبعض هرع إلى الاحتماء بالأمازيغية، وآخرون احتموا بالعربية، و فريق ثالث ركز هويته واختزلها في الإسلام، ورابع تنكر لهويته القديمة و استبدلها بهوية جديدة عبر عنهم بالإدماجيين،[20] وغذت فرنسا الصراع بين الجميع في إطار سياسة فرق تسد.
لقد ظهر إذن، بسبب الاحتلال الفرنسي، بعدا آخر للهوية الجزائرية، تلك الهوية التي غذتها سياسة غايدون على إثر تنامي الروح الإمبريالية، وكمرحلة ثانية للاستعمار، وكان الاعتقاد السائد آنذاك بعد رواج أفكار جول فيري أن اللغة الفرنسية هي لغة المستقبل ففتحت المدارس الفرنسية بعد 1890 لفئة بعينها ، تفتحت على مظاهر الثقافة العصرية، و أصبحت نتاج الهيمنة الفرنسية أو كما يقول ألبير ميمي ” إن المستعمر يطمح أساسا لكي يصبح مثل سيده ، أن يكون شبيها له إلى أن يختفي فيه”.
لقد كتب أحد الإدماجين قائلا:” هذا الشعب الغارق في بؤسه ليس لديه ما يخسره عندما يصبح فرنسيا، بل سيحظى بكثير من الامتيازات” ، فالهوية الفرنسية القادمة أصبحت بالنسبة إلى هؤلاء ملجأ لإنهاء حالة المعاناة والتفرقة العنصرية التي ظل الشعب الجزائري يحيها طيلة 130 سنة من الاستعمار، و طريقة للتحرر على رأي ألبير ميمي فإن المستعمر يبحث عن التحرر عندما يقبل بتحطيم ذاته تحطيما مازوخيا، وعندما يحتضن أفكار سيده فإنه يحقق في النهاية تدميره الخاص.[21]
بعد الاستقلال، ورغم الحماية الرسمية والقانونية التي صبغت وجود العربية في المجتمع الجزائري، إلا أن اللغة الأمازيغية و الفرنسية ظلتا محتفظتان بأهميتهما ومكانتهما، وإذا كانت الثانية هي لغة النخب المثقفة، فإن الأولى قد اكتسبت أهميتها من تاريخيتها وجغرافية انتشارها، حيث تشمل شرق الجزائر ومنطقة القبائل الصغرى والكبرى والصحراء، كما أن العامية المتداولة في بقية مناطق الوطن فيها الكثير من الإدخالات الأمازيغية.[22] مع ذلك فرض التيار العروبي في الجزائر في فترة الرئيسين بن بلة و بومدين اللغة العربية على مستويات الخطاب السوسيولغوي، فيما عرف بسياسة التعريب، التي أكملت التفكيك الفيليلوجي للهوية الجزائرية.
إن معالجة هذا الخلل الذي لحق الذات لا يمكن تجاوزه إلا إذا استعادت الأمازيغية مكانتها باعتبارها واقعا لا يمكن تجاوزه، ولا يتم ذلك إلا بتوضعها داخل المنظومة التعليمية والفكرية للدولة، وعدم استمرار التعامل معها على أنها ظاهرة فولكلورية صالحة لكتابة بعض الأغاني و الروايات وإنما هي ظاهرة لغوية حية لها تاريخها وإرثها الذي يجعلها قادرة على استيعاب التغيرات الحضارية، ومن ثم لغة التعلم و التعليم والثقافة، وهذا لن يتم إلا بإنشاء أكاديمية مستقلة للغة الأمازيغية، كون أن المجلس الأعلى للأمازيغية ولد ميتا، ذلك أنه جاء بخلفيات سياسية الهدف من ورائه تجاوز أحداث أزمة القبائل التي ما فتئت تتجدد منذ أيام الربيع الأمازيغي سنة 1982، هذا الربيع الذي جاء رفضا للتمدد القهري للتيار العروبي المتطرف في المنظومة السياسية والتعليمية والثقافية للدولة الجزائرية، والذي وصل الذروة أيام فترة الرئيس الشاذلي، هذا التيار الذي جعل الهوية هوية الثقافة الرسمية المهيمنة، ومن ثم حول الدولة إلى دولة أقلية، عكس ما كان متفق عليه قبل الاستقلال.
ثالثا:هويتنا وتحديات العولمة:
بعد أن عانت هويتنا على امتداد التاريخ من الكثير من الهزات الناجمة عن التفكيك الإثني والفيليلوجي، بسبب تيار العوربة، فإن الهوية اليوم قد تغيرت تحدياتها في ظل العولمة، ومن ثم أصبح مشكل الهوية من أهم قضايا الإنسان الجزائري المعاصر، الذي يقف مشدودا أمام ما تطرحه مغريات العصر من ماديات، وانجذابه إلى قيمه وتراثه الروحي، بفعل التأثير المجتمعي من جهة أخرى.
ورغم أن بعض المجتمعات تتحدث عن الحداثة و ما بعد الحداثة،[23] فإن مجتمعنا لا زال أسيرا لم يتمكن من الفصل بين الأصالة والمعاصرة،[24] كتعبير عن اختلال التوازن الباطني الناجم عن الصراع بين الأنا بموروثه الحضاري ومنهجه القيمي الروحي، وبين الآخر بحياته المادية و مكتسباته الدنيوية، وبين هذا وذاك ضاعت هويتنا، هذا الضياع الذي في حقيقته يعود إلى الانقطاع التاريخي الذي حدث لمجتمعنا نتيجة تعرضه للظاهرة الاستعمارية الحديثة في الفترة الممتدة بين 1830-1962 مما أفقده لغة التواصل مع ماضيه ومن ثم القدرة على إدراك الذات في حاضرها.
إن هذه الحالة المستعصية إنما هي أساسا نابعة عن حالة الصدام الفجائي الذي أصاب الأنا المتخلف المنغلق، مع الآخر المتطور المنفتح، ولذلك فإن فك مشكل الهوية الضائعة في الجزائر ليتأتى من خلال وضع المشكل في إطاره التاريخي، لتحديد مفاهيمه التي يشتغل من خلالها، و آلياته وأطرافه الفاعلة، ومن ثم تجاوز ذلك الإشكال معرفيا في إطار يؤسس لفهم الأحداث من الداخل، و يمكن من إجراء تركيب تاريخي جديد لهويتنا يحقق الإشباع الغرائزي للأنا الضائع في خضم مجموعة من الأنات.
إن أكبر هزة يتعرض لها أنا الهوية في الجزائر إنما هي عقدة النقص الناجمة عن شعور الإنسان بعدم القدرة على مماثلة الآخر، والعجز عن مسايرته ما يدفعه إلى المحاكاة بسبب أو بغير سبب، وفي أغلب الأحيان وفق قاعدة “المغلوب مولع بتقليد الغالب”.
إن مشكلة من أنا لا تطرح نفسها إلا في المجتمعات الغير مستقرة ، التي تعاني تخلفا حضاريا على المستوى النفسي، أو على رأي إيمي سيزار ” كانوا دائما يحدثونني عن المكتسبات، عن الأرقام، والطرقات المنجزة والقنوات وسكك الحديد، وكنت أنا أحدثهم عن ملايين الرجال المبعدون عن تقاليدهم ، عن حياتهم، عن أراضيهم، وعن الرقص والحكمة ، كما كنت أحدثهم عن ملايين الرجال الذين تعلموا الخوف والإحساس بالدونية والخنوع وفقدان الأمل”.
من هنا يسهل علينا تحديد المناطق المعنية بشكل كبير بمشكل الهوية، و إن كنا نرى أن الإشكالية مطروحة على الإنسان المعاصر بشكل عام، والفرق فقط يكمن في مستوياتها المعرفية ، فالشعوب الأكثر معاناة إلى حد شل قدرتها الإبداعية هي شعوب العالم الثالث، أو ما يعرف بدول الجنوب كتقسيم جغرافي تصنيفي، ومنها مجتمعنا الجزائري بطبيعة الحال، بينما تقل حدتها في المجتمعات الراقية، مجتمعات الشمال التي فصلت في هويتها، وفق مبادئ عصر الأنوار الذي ظهرت تجلياته في كتابات روسو ودوركايم وفولتير وديدرو ومونتيسكيو،[25] حيث شكلت هذه الأفكار اختيارات تلك الشعوب لنظم حياتها، وتثبيت شبكة علاقاتها الاجتماعية التي تعد صمام أمان الهوية، مما سهل عليها التخلص من القوالب الذهنية والانطلاق في التنمية ، لكن يبقى ذلك مجرد تصنيف مرن يمكننا من الخروج من التعميمات تسهيلا للفهم.
عرفت البشرية إشكالية المحافظة والعصرنة منذ القدم كون الإنسان أسير نفسه وكينونته ومجتمعه وأمته، لذلك يندرج طرديا في توسيع الأنا توسيعا لرقعته وكتلته، لكن الإشكالية ازدادت حدة إلى درجة أنها أصبحت هاجسا مع التطور الصناعي الذي رافق ثورة القرن التاسع عشر الميلادي ، وما واكبه من تطور المذهب الرأسمالي التجاري، وكدا هيمنة ثنائية القيم بين قيم الخضوع والنكوص السائدة في مختلف مناحي الحياة وبين قيم حماها الغرب في أعلى مراحله من هيمنة اقتصادية وتقنية تتعالى عنه كالقدرة على توجيه التاريخ و تمجيد الإنسان،[26] وبما أن الحضارة الغربية الواقعة في الجزء الشمالي للأرض هي حاملة هذا التطور يمكننا بذلك أن نفهم سر التصنيف الجغرافي السابق ومعاناة شعوب الجنوب عامة من مشكل الهوية.
ومعاناتنا نحن في الجزائر يرجع إلى:
-الاحتكاك الجدلي المباشر مع الآخر جغرافيا وتاريخيا.
-خصوصية المشروع الحضاري الجزائري وما يتضمنه من عقائد دينية ومفاهيم وقيم خاصة ومعقدة في ذاتها.
هذه الخصوصيات جعلت الصراع حادا على مستويين رئيسيين:
أولا: على المستوى الخارجي في ما يعرف بالصراع الحضاري المخفي ضمنيا و المعلن في معظمه بين حضارات الشرق وحضارات الغرب(نظرية صمويل هنتنغتون) التي تجد لها صدى على الواقع.
ثانيا: على المستوى الداخلي في ما نلمسه من صراع اجتماعي تقوده الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني حول مشروع المجتمع ، الذي لم نفصل فيه بعد حوالي خمسين سنة من استقلالنا،[27] بسبب الاستقطاب الحاد بين طرفين، كل واحد يسوق حججه مبطلا أدلة خصمه، واصفا أياه بالابتذال والضحالة ، مستخدما وسائل مشروعة أحيانا وغير ذلك في أحايين كثيرة ، وما العشرية السوداء أواخر القرن الماضي إلى الصورة الظاهرة لصراع الهوية في الجزائر من خلال صراع مشروعي مجتمع يقفان على طرفي نقيض.
ففي الوقت الذي يرى فيه الاتجاه الأول ضرورة المحافظة على التراث الفكري والموروث الحضاري و النفاذ به إلى العصر (على مقولة لا قول أكثر مما قيل) ولو تطلب ذلك القفز على الحاضر و المستقبل و العيش في الماضي، فإن الاتجاه الثاني يرى أن الخلل يكمن في الحرفية النصية وقراءتنا للنص الديني الموروث من العصور القرسطوية، ومن ثم فلا سبيل لتحقيق قفزة نوعية سوى بتمثل الآخر.
نلمس هذا الصراع في كتابات النخب الجزائرية، وهي طليعة الأمة المتنورة، التي حاولت أن تجيب على إشكالية الهوية الضائعة في الجزائر من خلال فك العلاقة بين الأصالة والمعاصرة بما يحمله المصطلحين من قيم وعقائد وموروث حضاري، فكانت مقالات وكتابات الشريف ابن حبيلس وبلقاسم إبعزيزن وحنفي لحمق و عبد القادر فكري ومحمد الشريف ساحلي و فرحات عباس وابن باديس والبشير الإبراهيمي ومالك بن نبي ومحمد أركون.
رغم الاستقطاب الذي ميز هذه الكتابات فالأكيد أن المشروعين يحملان وجهات نظر صحيحة ، والمطلوب فقط تحقيق مصالحة مع الذات ، وردم هوة الخلاف التي خلفها الاستقطاب الحاد بين الطرفين ، وهذا لا يكون إلا بإطلاق حوار يكون عنوان المرحلة القادمة لتقريب الأفكار و الوصول إلى ، و إلا فإن ذلك يبقى مؤجلا إلى حين الفصل في المشكل.
إن الصراع في صورته الحالية حول مشكل الهوية في الجزائر إنما يتجلى في الصراع القائم حول مشروعات المجتمع المطروحة على ساحة كتابات النخب والذي تؤطره الأحزاب والمنظمات الاجتماعية وهو نابع أساسا من عدم قدرتنا على تجاوز عقدة الأصالة والمعاصرة باتجاه حداثة تحقق المصالحة مع الذات، ومن ثم ارتهان الواقع لحالة الاغتراب في الزمان لدا الأصوليين عندما يعيشون زمنا ليس بزمانهم، أو لحالة الاغتراب في المكان لدا العصرانيين عندما يوهمون أنفسهم أنهم نسخة من الآخر الذي يمكن تمثله و العيش في جلبابه، و الحقيقة أن السلبية الغير مدركة تكمن في غربة الذات التي يسببها التيار الثاني إلى درجة المسخ والتشويه، وغربة المكان التي يسببها التيار الأول إلى درجة رفض الحاضر بكل إنتاجه.
إن المصالحة مع الذات تبدأ أولا بتمثلنا لموروثنا الحضاري وقيمه تأكيدا لخصوصيتنا الدينية و الإثنية و التاريخية و الثقافية. و ثانيا فهما و إدراكا واعيين لما يجري حولنا من تطور وتقدم في فهم الذات و إدراكها بما لا يحيل وامتلاك أدواتهما. وهذا أمر ليس بمستحيل ما دمنا مقتنعين بحسن نوايا الطرفين ، فهم مدعون للسير في طريق الحداثة، خاصة في ظل ظروف دولية صعبة ومعقدة ، تحكمها رهانات مستقبلية تبشر بصراع ثقافي واجتماعي و حضاري شرس لم تعرفه البشرية من قبل، في كنف تيار العولمة الجارف، لا مكان فيه للتائهين الضائعين ضعاف النفوس، ولا للمتزمتين المنغلقين ضعاف العقول.
المخـرج:
لم يجد الثراء العرقي و اللغوي الذي عرفته الجزائر سلطة داعمة ساهرة على توجيهه و قولبته باتجاه البناء والتجميع، لأن السلطة لم تكن حاضرة سوى لإدارة الصراع، وكيفية توليد ميكانيزماته، لاستدامة ديمومتها ومن ثم ضمان الاستمرارية حتى و أدى ذلك لارتهان الأمة بماضيها وحاضرها ومستقبلها، هذا الارتهان الذي برزت آثاره واضحة من خلال ظاهرة العنف السياسي والاجتماعي التي طبعت المجتمع الجزائري منذ الاستقلال، و التي بدأت بأزمة صائفة 1962 و الصراع على السلطة، واستمرت مع أحداث أكتوبر 1988، ثم تجددت بأكثر عنفية سنة 1991 بعد إلغاء المسار الانتخابي، هذا العنف الذي ما زال يلقي بظلاله علينا ما دام لم تعالج أسبابه الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية.
لن تحظى المأساة التي تحيها الجزائر بحل، دون نقاش حقيقي بين مختلف الأطر التي تشكل المجتمع الجزائري المعني كله بأشكلة الهوية، هذا الإشكال الذي أوجدته سلسلة تراكمات تاريخية لن يجد طريقه للحل إلا بالمكاشفة الصريحة و الكاملة، و الإقلاع عن الأساليب الديماغوجية ولغة الخشب في تأطير مشاكلنا، و مراجعة علمية دقيقة لتاريخنا، باعتباره يشكل بعدا لهوية مجتمعنا، هذا التاريخ الذي أصبح مغيبا ومؤسطرا من كل الجماعات، إلى درجة أنه كان سببا في تغذية العنف الاجتماعي والسياسي الذي عاشته الجزائر منذ الاستقلال.
الهوامش
________________________________________
[1] أول من نحت مصطلح ” الأشكلة ” فيما يقابله بالفرنسية”problématisation” هو الفيلسوف الجزائري محمد أركون، بينما يرى الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن أن ما يقابل ذلك المصطلح الأجنبي هو كلمة ” الإستشكال”. والأشكلة هي تحول مفهوم ما من حالة اللامشكل إلى حالة الإشكال المستعصي.
[2] أستحدم مصطلح الأمزغة للتعبير عن الهوية الأمازيغية بأبعادها الثقافية والتاريخية.
[3] نستخدم مصطلح العوربة للتدليل على التيار العروبي المتطرف الذي ينزع نحو فرض القومية العرقية العربية على كل المجتمعات المسلمة الغير عربية كالبربر و الترك والفرس، ومحاولة وصمها بالعنصرية والعصبية والخروج عن الإسلام إذا عبرت عن قوميتها الغير عربية، ويمثل هذا التيار في الجزائر الأستاذ عثمان سعدي و أحمد بن نعمان وغيرهم، وهم امتداد للتيار الموجود بالمشرق.
[4] محمد الجوهري، الأنثربولوجيا، دار المعرفة القاهرة ط1980، ص 93.
[5] الامتزاج مرحلة أولى في الاحتكاك الثقافي القائم بين ثقافتين أو أكثر تتبعه مرحلة التمثل حيث تتكيف العناصر الثقافية مع مركب ثقافي أو ثقافة بشكل كامل من طرف واحد يصحبه امتصاص إثني ناتج عن الإقامة والمشاركة. أنظر: محمد السويدي، مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1991، ص-ص 172-173.
[6] أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1998، ج1، ص 197 وما يليها.
[7] Boutefnouchet (M), La culture en Algérie mith et réalité, Alger, sned, 1982, p.37.
[8] Dhina (A), Les états de l’occident musulman 13-14-15 siecle institution gouvernementales et administratives, Alger, O.P.U, 1984, p.303.
[9] وليم سبنسر، الجزائر في عهد رياس البحر، ترجمة عبد القادر زبادية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر1980، ص 82.
[10] جاك بارك، في مدلول القبيلة في شمال إفريقيا، بحث نشر في كتاب: الأنثربولوجيا والتاريخ حالة المغرب العربي، ترجمة عبد الأحد السبتي و آخر، دار توبقال، المغرب 1988 ، ص 121.
[11] عبد العزيز المجذوب، الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، تونس 1975، ص 23.
[12] عثمان سعدي، عروبة الجزائر عبر التاريخ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1982، ص 121.
[13] محفوظ قداش ، الجزائر في العصور القديمة، ترجمة صالح عباد ، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1993، ص 17.
[14] عبد الرحمن ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1983، ج1، ص-ص 288-289.
[15] أنظر هذه الأراء في : إيف لاكوست، العلامة ابن خلدون، ترجمة ميشال سليمان، دار ابن خلدون للطباعة والنشر، 1974.
[16] أحمد بن نعمان، نفسية الشعب الجزائري: دراسة علمية في الأنثروبولوجيا النفسية، دار الأمة للطباعة والنشر، الجزائر 1994، ص 62.
[17] جاك بارك، المرجع السابق، ص 116.
[18] محمد إسماعيل زكي، الأنثربولوجيا و الفكر الإسلامي، دار عكاظ، السعودية 1972، ص 240.
[19] غازي حيدوسي، الجزائر التحرير الناقص، تر خليل أحمد خليل، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت ، ص 7.
[20] حول أفكار هذه الجماعة أنظر: حميد عبد القادر، فرحات عباس رجل الجمهورية، دار المعرفة الجزائر 2001، ص 34 وما يليها.
[21] حميد عبد القادر، المرجع السابق، ص 35.
[22] Cherbonneau, Observation sur l’origine et la formation du langue Africaine, in revue Africaine N 12. A 1868, p.72 et 304.
[23] حول الحداثة في الفكر العربي أنظر: منصور عفيفي،” الحداثة والبديل الحضاري”، مجلة الحوار الفكري، مخبر الدراسات التاريخية والفلسفية، جامعة قسنطينة، ع9، س2007، ص 75 وما يليها.
[24] لمزيد من التعمق أنظر: محمد أركون، العلمنة والدين، تر هاشم صالح، دار الساقي ط 1996.
[25] حول أفكار التنوير و أثرها أنظر: مجموعة من المؤلفين، التيارات الفلسفية الغربية الحديثة وأثرها على الفكر العربي، منشورات مخبر الدراسات التاريخية والفلسفية جامعة قسنطينة، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة 2003 .
[26] عبد الله موسى، إشكالية إعادة بناء المفاهيم في فكرنا العربي المعاصر، بحث منشور في: مجموعة من المؤلفين، التيارات الفلسفية الغربية الحديثة وأثرها على الفكر العربي، مرجع سابق، ص 239.
[27] حول مشاريع المجتمع في الجزائر أنظر الدراسة القيمة للأستاذ : عبد الكريم بوصفصاف، مشروع المجتمع في تصورات النخبة السياسية الجزائرية المعاصرة، مطبعة بغيجة، قسنطينة 2008.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى